١٢

 ولقد اخذ اللّه ميثاق بني اسرائيل كلام مستانف مشتمل على ذكر بعض ما صدر عن بني اسرائيل من الخيانة ونقض الميثاق وما ادى اليه ذلك من التبعات مسوق لتقرير المؤمنين على ذكر نعمة اللّه تعالى ومراعاة حق الميثاق الذي اوثقهم به وتحذيرهم من نقضه أو لتقرير ما ذكر من الهم بالبطش وتحقيقه على تقدير كون ذلك من بني قريظة حسبما مر من الرواية ببيان ان الغدر والخيانة عادة لهم قديمة توار ثوها من اسلافهم واظهار الاسم الجليل لتربية المهابة وتفخيم الميثاق وتهويل الخطب في نقضه مع ما فيه من رعاية حق الاستئناف المستدعى لانقطاع عما قبله ولالتفات في قوله تعالى

وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا للجرى على سنن الكبرياء أو لان البعث كان بواسطة موسى عليه السلام كما سياتي وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مرا مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق الى المؤخر والنقيب فعيل بمعنى فاعل مشتق من النقب وهو التفتيش ومنه قوله تعالى فنقبوا في البلاد سمى بذلك لتفتيشه عن احوال القوم واسرارهم قال الزجاج واصله من النقب وهو الثقب الواسع روى ان بني اسرائيل لما استقروا بمصر بعهد مهلك فرعون امرهم اللّه عز و جل بالمسير الى اريحا ارض الشام وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون وقال لهم اني كتبتها لكم دارا وقرارا فاخرجوا اليها وجاهدوا من فيها واني ناصركم وامر موسى عليه السلام ان ياخذ من كل سبط نقيبا امينا يكون كفيلا على قومه بالوفاء بما امروا به توثقة عليهم فاختار النقباء واخذ الميثاق على بني اسرائيل وتكفل اليهم النقباء وسار بهم فلما دنا من ارض كنعان بعث النقباء يتجسسون فرءوا اجراما عظيمة وقوة وشوكة فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم بما رؤوا وقد نهاهم موسى عن ذلك فنكثوا الميثاق الا كالب بن يوقنا نقيب سبط يهاذا ويوشع بن نون نقيب سبط افراييم بن يوسف الصديق عليه الصلاة و السلام قيل لما توجه النقباء الى ارضهم للتجسس لقيهم عوج بن عنق وكان طوله ثلاثة الاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وقد عاش ثلاثة الاف سنة وكان على راسه حزمة حطب فاخذهم وجعلهم في الحزمة وانطلق بهم الى امراته وقال انظري الى هؤلاء الذين يزعمون انهم يريدون قتالنا فطرحهم بين يديها وقال الا اطحنهم برجلي فقالت لا بل خلي عنهم حتى يخبروا قومهم بما رؤوا ففعل فجعلوا يتعرفون احوالهم وكان لا يحمل عنقود عنبهم الا خمسة رجال أو اربعة فلما خرج النقباء قال بعضهم لبعض ان اخبرتم بني اسرائيل بخبر القوم ارتدوا عن نبي اللّه ولكن اكتموه الا عن موسى وهارون عليهما السلام فيكونان هما يريان رايهما فاخذ بعضهم على بعض الميثاق ثم انصرفوا الى موسى عليه السلام وكان معهم حبة من عنبهم وقر رجل فنكثوا عهدهم وجعل كل منهم ينهى سبطه عن قتالهم ويخبرهم بما راى الا كالب ويشع وكان معسكر موسى فرسخا في فرسخ فجاء اوج حتى نظر اليهم ثم رجع الى الجبل فقور منه صخرة عظيمة على قدر العسكر ثم حملها على راسه ليطبقها عليهم فبعث اللّه تعالى الهدهد فقور من الصخرة وسطها المحاذى لراسه فانتقبت فوقعت في عنق عوج وطوقته فصرعته فاقبل موسى عليه السلام وطوله عشرة اذرع وكذا طول العصا فتراما في السماء عشرة اذرع فما اصاب العصا الا كعبا وهو مصروع فقتله قالوا فاقبلت جماعة ومعهم الخناجر حتى حزوا راسه

وقال اللّه أي لبني اسرائيل فقد اذاهم المحتاجون الى ما ذكر من الترغيب والترهيب كما ينبىء عنه الالتفات مع ما فيه من تربية المهابة وتاكيد ما يتضمنه الكلام من الوعد

اني معكم أي بالعلم والقدرة والنصرة لا بالنصرة فقط فان تنبيههم على علمه تعالى بكل ما ياتون وما يذرون وعلى كونهم تحت قدرته وملوته مما يحمله على الجد في الامتثال بما امروا به والانتهاء عما نهوا عنه كانه قيل اني معكم اسمع كلامكم وارى اعمالكم واعلم ضمائركم فاجازيكم بذلك هذا وقد قيل المراد بالميثاق هو الميثاق بالايمان والتوحيد وبالنقباء ملوك بني اسرائيل الذين ينقبون احوالهم ويلون امورهم بالامر والنهي واقامة العدل وهو الانسب بقوله تعالى

لان اقمتم الصلاة واتيتم الزكاة وامنتم برسلي أي بجميعهم والالام موطئة للقسم المحذوف وتاخير الامان عن اقامة الصلاة وايتاء الزكاة مع كونهما من الفروع المترتبة عليه لما انهم كانوا معترفين بوجوبهما مع ارتكابهم لتكذيب بعض الرسل عليهم السلام ولمراعاة المقارنة بينه وبين قوله تعالى

وعزرتموهم أي نصرتموهم وقويتموهم واصله الذب

وقيل التعظيم والتوقير والثناء بخير وقرء وعزرتموهم بالتخفيف

واقرضتم اللّه بالانفاق في سبيل الخير وبالتصدق بالصدقات المندوبة وقوله تعالى

قرضا حسنا اما مصدر مؤكد وارد على غير صيغة المصدر كما في قوله تعالى فتقبلها ربها بقبول حسن وانبتها نبات حسن أو مفعول ثاني لاقرضتم على انه اسم للمال المقرض وقوله تعالى

لاكفرن عنكم سيئاتكم جواب للقسم المدلول عليه بالالام ساد مسد جواب الشرط

وليدخلنكم جنات تجري من تحتها الانهار عطف على ما قبله داخل معه في حكم الجواب متاخر عنه في الحصول ايضا ضرورة تقدم التخلية على التحلية

فمن كفر أي برسلي أو بشيء مما عدد في حيز الشرط والفاء لترتيب بيان حكم من كفر على بيان حكم من امن تقوية للترغيب بالترهيب

بعد ذلك الشرط المؤكد المعلق به الوعد العظيم الموجب للايمان قطعا

منكم متعلق بمضمر وقع حالا من فاعل كفر ولعل تغيير السبك حيث لم يقل وان كفرتم عطفا علىا الشرطية السابقة لاخراج كفر الكل عن حيز الاحتمال واسقاط من كفر عن رتبة الخطاب وليس المراد احداث الكفر بعد الايمان بل ما يعم الاستمرار عليه ايضا كانه قيل فمن اتصف بالكفر بعد ذلك خلا انه قصد بايراد ما يدل على الحدوث بيان ترقيهم في مراتب الكفر فان الاتصاف بشيء بعد ورود ما يوجب الاقلاع عنه وان كان استمرار عليه لكنه بحسب العنوان فعل جديد وصنع حادث

فقد ضل سواء السبيل أي وسط الطريق الواضح ضلالا بينا واخطاه خطا فاحشا لا غذر معه اصلا بخلاف من كفر قبل ذلك اذ ربما يمكن ان

 يكون له شبهه ويتوهم له معذرة

﴿ ١٢