١٧

 لقد كفر الذين قالوا ان اللّه هو المسيح ابن مريم أي لا غير كما يقال الكرم هو التقوى وهم اليعقوبية القائلون بانه تعالى قد يحل في بدن انسان معين أو في روحه

وقيل لم يصرح به احد منهم لكن حيث اعتقدوا اتصافه بصفات اللّه الخاصة وقد اعترفوا بان اللّه تعالى موجود فلزمهم القول بان المسيح لا غير

وقيل لما زعموا ان فيه لا هوتا وقالوا لا اله الا واحد لزمهم ان يكون هو المسيح فنسب اليهم لازم قولهم توضيحا لجهلهم وتفضيحا لمعتقدهم قل أي تبكيتا لهم واظهارا لبطلان قولهم الفاسد والقاما لهم الحجر والفاء في قوله تعالى

فمن يملك من اللّه شيئا فصيحة ومن اتفهامية الانكار والتوبيخ والملك الضبض والحفظ التام عن حزم ومن متعلقة به على حذف المضاف أي ان كان الامر كما تزعمون فمن يمنع من قدرته تعالى وارادته شيئا وحقيقته فمن يستطيع ان يمسك شيئا منها

ان اراد ان يهلك المسيح ابن مريم وامه ومن في الارض جميعا ومن حق من يكون الها ان لا يتعلق به ولا بشان من شؤونه بل بشيء من الموجودات قدرة غيرة بوجه من الوجوه فضلا عن ان يعجز عن دفع شيء منها عند تعلقها بهلاكه فلما كان عجزه بينة لا ربي فيه ظهر كونه بمعزل مما تقولوا في حقه والمراد بالاهلاك الايمانة والاعدام مطلقا لا بطريق السخط والغضب واظهار المسيح على الوجه الذي نسبوا اليه الالوهية في مقام الاضمار لزيادة التقرير والتنصيص على انه من تلك الحيثية بعينها داخل تحت قهره وملوكته تعالى ونفى المالكية المذكورة بالاستفهام الانكاري عن كل احد مع تحقق الالزام والتبكيت بنفيها عن المسيح فقط بان يقال فهل يملك شيئا من اللّه ان اراد الخ لتحيقيق الحق بنفي الالوهية عن كل ما عداه سبحانه واثبات المطلوب في ضمنه بالطريق البرهان فان انتفاء المالكية المستلزم باستحالة الالوهية متى ظهر بالنسبة الى الكل ظهر بالنسبة الى المسيح على ابلغ وجه واكده فيظهر استحالة الالوهية قطعا وتعميم ارادة الاهلاك للكل مع حصول ما ذكر من التحقيق نقصرها عليه بان يقال فمن يملك من اللّه شيئا ان اراد ان يهلك المسيح لتهويل الخطب واظهار كمال العجز بيان ان الكل تحت قهره تعالى وملكوته لا يقدر احد على دفع ما اريد به فضلا عن دفه ما اريد بغيره وايذان لان المسيح اسوة لسائر المخلوقات في كونه عرضة للّهلاك كما انه اسوة لها فيما ذكر من العجز وعد استحقاق الالوهية وتخصيص امه بالذكر مع اندراجها في ضمن من في الارض بزيادة تاكيد عجز المسيح ولعل نظمها في سلك من فرض ارادة اهلاكهم مع تحقيق هلاكها قبل ذلك لتاكيد التبكيت وزيادة ترير مضمون الكلام يجعل حالها انموذجا لحال بقية من فرض اهلاكه كانه قيل قل فمن يملك من اللّه شيئا ان اراد ان يهلك المسيح وامه ومن في الارض وقد اهلك امه فهل مانعه احد فكذا حال من عداها من الموجودين وقوله تعالى

وللّه ملك السموات والارض وما بينهما أي ما بين قطري العالم الجسماني لا بين وجه الارض ومقعر فلك القمر فقط فيتناول ما في السموات من الملائكة عليهم السلام وما في اعماق الارض والبحار من المخلوقات تنصيص على كون الكل تحت قهره تعالى وملكوته اثر الاشارة الى كون البعض أي من في الارض كذلك أي له تعالى وحده ملك جميع الموجودات والتصرف المطلق فيها ايجادا واعداما واحياء واماتة لا لاحد سواه استقلال ولا اشتراكا فهو تحقيق لاختصاص الالوهية به تعالى اثر بيان انتفائها عن كل ما سواه وقوله تعالى

يخلق ما يشاء جملة مستانفة مسوقة لبيان بعض احكام الملك والالوهية على وجه يزيح معتراهم من الشبهة في امر المسيح لولادته من غير اب وخلق الطير واحياء الموتى وابراء الاكمه والابرص أي يخلق ما يشاء من انواع الخلق والايجاد على ان ما نكره وصوفة محلها النصب على المصدر به لا على المفعولية كانه قيل يخلق أي خلق يشاء فتارة يخلق من غير اصل كخلق السموات والارض واخرى من اصل كخلق ما بينهما فينشىء من اصل ليس من جنسه كخلق ادم وكثير من الحيوانات من اصل يجانسه اما من ذكر وحده كخلق حواء أو انثى وحدها كخلق عيسى عليه السلام أو منهما كخلق سائر الناس ويخلق بلا توسط شيء من المخلوقات كخلق عامة المخلوقات وقد يخلق بتوسط مخلوق اخر كخلق الطير على يد عيسى عليه السلام معجزة له واحياء الموتى وابراء الاكمه والابرص وغير ذلك فيجب ان ينسب كله اليه تعالى لا الى من اجرى ذلك على يده

واللّه على كل شيء قدير اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله واظهار الاسم الجليل للتعليل وتقوية استقلال الجملة

﴿ ١٧