٣٢

 من اجل ذلك شروع فيما هو المقصود من تلاوة النبا من بيان بعض اخر من جنايات بني اسرائيل ومعاصيهم وذلك اشارة الى عظم شان القتل وافراط قبحة المفهومين مما ذكر في تضاعيف القصة من استعظام هابيل له وكمال اجتنابه عن مباشرته وان كان ذلك بطريق الدفع عن نفسه واستسلامه لان يقتل خوفا من عقابه وبيان استتباعه لتحمل القاتل لاثم المقتول ولكون قابيل بمباشرته من جملة الخاسرين دينهم ودنياهم ومن ندامته على فعله مع ما فيه من العتو وشدة الشكيمة وقساوة القلب والاجل في الاصل مصدر اجل شرا اذا جناه استعمل في تعليل الجنايات كما في قولهم من جراك فعلته أي من ان جررته وجنيته ثم اتسع فيه واستعمل في كل تعليل وقرا من اجل بكسر الهمزة وهي لغة فيه وقرا من اجل بحذف الهمزة والقاء فتحها على النون ومن لا ابتداء الغاية متعلقة بقوله تعالى

كتبنا على بني اسرائيل وتقديمها عليه للقصر أي من ذلك ابتداء الكتب ومنه نشا لا من شيء اخر أي قضينا عليهم وبينا

انه من قتل نفسا واحدة من النفوس

بغير نفس أي بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص

أو فساد في الارض أي فساد يوجب اهدار دمها وهو عطف على ما اضيف اليه غير على معنى نفى كلا الامرين معا كما في قولك من صلى بغير وضوء أو تيمم بطلت صلاته لا نفي احدهما كما في قولك من صلى بغير وضوء أو ثوب بطلت صلاته ومذار الاستعمالين اعتبار ورود النفي على ما يستفاد من كلمة أو من الترديد بين الامرين المنبا عن التخيير والاباحة واعتبار العكس ومناط الاعتبارين اختلاف حال ما اضيف اليه غير من الامرين بحسب اشتراط نقيض الحكم بتحقق احدهما واشتراطه بتحققهما معا ففي الأول يرد النفي على الترديد الواقع بين الامرين قبل ورود فيفيد نفيهما معا وفي الثاني يرد الترديد على النفي فيفيد نفي احدهما حتما اذ ليس قبل ورود النفي ترديد حتى يتصور عكسه وتوضيحه ان كل حكم شرط بتحقق احد شيئين مثلا فنقيضه مشروط بانتفائهما معا وكل حكم شرط بتحققهما معا فنقيضه مشروط بانتفاء احدهما ضرورة النقيض كل شيء مشروط بنقيض شرطه ولا ريب في النقيض الايجاب الجزئي كما في الحكم الأول هو السلب الكلي ونقيض الايجاب الكلي كما في الحكم الثاني هو رفعة المستلزم للسلب الجزئي فثبت اشتراط نقيض الأول بانتفائهما معا واشتراط نقيض الثاني بانتفاء احدهما ولما كان الحكم في قولك من صلى بوضوء أو تيمم صحت صلاته مشروطا بتحقق احدهما مهما كان نقيضا في قولك من صلى بغير وضوء أو تيمم بطلت صلاته مشروطا بنقيض الشرط المذكور البتة وهو انتفاؤهما معا فتعين ورورد النفي المستفاد من غير على الترديد الواقع بين الوضوء والتيمم بكلمة أو فانتفى تحققهما معا ضرورة عموم النفي الوارد على المبهم وعلى هذا يدور ما قالوا إنه إذا قيل جالس العلماء أو الزهار قم أدخل عليه لا الناهية امتنع فعل الجميع نحو ولا تطع منهم آثما أ كفورا إذ المعنى لا تفعل أحدهما فأيهما فعله فهو أحدهما

وأما قولك من صلى بوضوء أو ثوب صحت ثلاته فحيث كان الحكم فيه مشروطا بتحقق كلا الأمرين وهو انتفاء أحدهما فتعين ورود الترديد علىالنفي فأفاد نفي أحدهما ولا يخفى أن إباحة القتل مشروطة بأحد ما ذكر من القتل والفساد ومن ضرورته اشتراط حرمته بانتفائهما معا فتعين ورود النفي على الترديد لا محاله كأنه قيل من قتل نفسا بغير أحدهما فكأنما

قتل الناس جميعا فمن قال في تفسيره أو بغير فساد فقد أبعد عن توفية النظم الكريم حقه وما في كأنما كافة مهيئة لوقوع الفعل بعدها وجميعا حال من الناس أو تأكيد ومناط التشبيه اشتراك الفعلين في هتك حرمة الدماء والاستعصاء على اللّه تعالى وتجسير الناس على القتل وفي استتباع القود واستجلاب غضب اللّه تعالى وعذابه العظيم

ومن أحياها أي تسبب لبقاء نفس واحدة موصوفة بعدم ما ذكر من القتل والفساد في الأرض إما بنهي قاتلها عن قتلها أو استنقاذها من سائر أسباب الهلكة بوجه من الوجوه

فكأنما أحيا الناس جميعا وجه التشبيه ظاهر والمقصود تهويل أمر التقل وتفخيم شأن الإحياء بتصوير كل منهما بصورة لائقة به في إيجاب الرهبة والرغبة لذلك صدر النظم الكريم بضمير الشأن المنبىء عن كمال شهرته ونابهته وتبادره إلى الأذهان عند ذكر الضمير الموجب لزيادة تقرير ما بعده في الذهن فإن الضمير لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه فيتمكن عند وروده فضل تمكن كأنه قيل إن الشأن الخطير هذا

ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات جملة مستقرة غير معطوفة على كتبنا أكدت بالتأكيد القسمي وحرف التحقيق لكمال العناية بتحقق مضمونها وإنما لم يقل ولقد أرسلنا إليهم الخ للتصريح بوصول الرسالة إليهم فإنه أدل على تناهيهم في العتو والمكابرة أي وباللّه لقد جاءتهم رسلنا حسبما أرسلناهم بالآيات الواضحة الناطقة بتقرير ما كتبنا عليهم تأكيدا لوجوب مراعاته وتأييدا لتحتم المحافظة عليه

ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك أي

بعد ما ذكر من الكتب وتأكيد الأمر بإرسال تترى وتجديد العهد مرة أخرى ووضع اسم الإشارة موضع الضمير للإيذان بكمال تميزه وانتظامه بسبب

ذلك في سلك الأمور المشاهدة وما فيه من معنى البعد للإيماء إلى علو درجته وبعد منزلته في عظ الشأن وثم للتراخي في الرتبة والاستبعاد

في الأرض متعلق بقوله تعالى

لمسرفون وكذا الظرف المتقدم ولا يقدح فيه توسط اتللام بينه وبينهما لأنها لام الابتداء وحقها الدخول على المبتدأ وإنما دخولها على الخبر لمكان إن فهي في حيزها الأصلي حكما والإسراف في كل أمر التباعد عن حد الاعتدال مع عدم مبالاة به أي مسرفون في القتل غير مبالين به ولما كان إسرافهم في أمر القتل مستلزما لتفريطهم في شأن الإحياء وذكرا وكان هو اقبح الأمرين وأفظعهما اكتفى بذكره في مقام التشفيع

﴿ ٣٢