|
١٦ قل لو شاء اللّه ما تلوته عليكم تحقيق لحقية القرآن وكونه من عند اللّه تعالى إثر بيان بطلان ما اقترحوا الإتيان به واستحالته عبارة ودلالة وإنما صدر بالأمر المستقل مع كونه داخلا تحت الأمر السابق إظهارا لكمال الإعتناء بشأنه وإيذانا باستقلاله مفهوما وأسلوبا فإنه برهان دال على كونه بأمر اللّه تعالى ومشيئته كما سيأتى وما سبق مجرد أخبار باستحالة ما اقترحوه ومفعول شاء محذوف ينبىء عنه الجزاءلا غير ذلك كما قيل فإن مفعلول المشيئة إنما يحذف إذا وقعتشرطا وكان مفعولها مضمون الجزاء ولم يكن في تعلقها به غرابة كما فى قوله ... ولو شئت أن أبكى دما لبكيته ... حيث لم يحذف لفقدان الشرط الأخير ولأن المستلزم للجزاء أعنى عدم تلاوته صلى اللّه عليه و سلم للقرآن عليهم إنما هو مشيئته تعالى له لا مشيئته لغير القرآن والمعنى أن الأمر كله منوط بمشيئته تعالى وليس لى منه شىء قط ولو شاء عدم تلاوتى له عليكم لا بأن شاء عدم تلاوتى له من تلقاء نفسى بل بأن لم لنزله على ولم يأمرنى بتلاوته كما ينبىء عنه إيثار التلاوة على القراءة ما تلوته عليكم ولا أدراكم به أى ولا أعلمكم به بواسطتى والتالى وهو عدم التلاوة والإدراء منتف فينتفى المقدم أعنى مشيئة عدم التلاوة ولا يخفى أنها مستلزمة لعدم مشيئة التلاوة قطعا فانتفاؤها مستلزم لانتفائه حتما وانتفاء عدم مشيئة التلاوة إنما يكون بتحقق مشيئة التلاوة فثبت أن تلاوته صلى اللّه عليه و سلم للقرآن بمشيئته تعالى وأمره وإنما قيدنا الإدراء بكونه بواسطته صلى اللّه عليه و سلم لأن عدم الإعلام مطلقا ليس من لوازم الشرط الذى هو مشيئة عدم تلاوته صلى اللّه عليه و سلم فلا يجوز نظمه فى سلك الجزاء وفى إسناد عدم الإدراء إليه تعالى المنبىء عن استناد الإدراء إليه تعالى إيذان بأن لا دخل له صلى اللّه عليه و سلم فى ذلك حسبما يقتضيه المقام وقرىء ولا أدرأتكم ولا أدرأكم بالهمزة فيهما على لغة من يقول أعطأت وأرضأت فى أعطيت وأرضيت أو على أنه من الدرء بمعنى الدفع أى ولا جعلتكم بتلاوته عليكم خصماء تدرءوننى بالجدال وقرىء ولا أنذرتكم به وقرىء لأدراكم بلام الجواب أى لو شاء اللّه ما تلوته عليكم أنا ولأعلمكم به على لسان غيرى على معنى إنه الحق الذى لا محيص عنه لو لم أرسل به أنا لأرسل به غيرى البتة أو على معنى أنه تعالى يمن على من يشاء فخصنى بهذه الكرامة فقد لبثت فيكم عمرا تعليل للملازمة المستلزمة لكون تلاوته بمشيئة اللّه تعالى وأمره حسبما بين آنفا لكن لا بطريق الاستدلال عليها بعدم تلاوته صلى اللّه عليه و سلم فيما سبق بسبب مشيئته تعالى إياه بل بطريق الاستشهاد عليها بما شاهدوا منه صلى اللّه عليه و سلم فى تلك المدة الطويلة من الأمور الدالة على استحالة كون التلاوة من جهته صلى اللّه عليه و سلم بلا وحى وعمرا نصب على التشبيه بظرف الزمان والمعنى قد أقمت فيما بينكم دهرا مديدا مقدار أربعين سنة تحفظون تفاصيل أحوالى طرا وتحيطون بما لدى خبرا من قبله أى من قبل نزول القرآن لا أتعاطى شيئا مما يتعلق به لا من حيث نظمه المعجز ولا من حيث معناه الكاشف عن أسرار الحقائق وأحكام الشرائع أفلا تعقلون أى ألا تلاحظون ذلك فلا تعقلون امتناع صدوره عن مثلى ووجوب كونه منزلا من عند اللّه العزيز الحكيم فإنه غير خاف على من له عقل سليم والحق الذى لا محيد عنه أن من له أدنى مسكة من العقل إذا تأمل في أمره صلى اللّه عليه و سلم وأنه نشأ فيما بينهم هذا الدهر الطويل من غير مصاحبة العلماء فى شأن من الشئون ولا مراجعة إليهم فى فن من الفنون ولا مخالطة البلغاء فى المفاوضة والحوار ولا خوض معهم فى إنشاء الخطب والأشعار ثم أتى بكتاب بهرت فصاحته كل فصيح قائق وبذت بلاغته كل بليغ رائق وعلا نظمه كل منثور ومنظوم وحوى فحواه بدائع أصناف العلوم كاشف عن أسرار الغيب من وراء أستار الكمون ناطق بأخبار ما قد كان وما سيكون مصدق لما بين يديه من الكتب المنزلة مهيمن عليها فى أحكامها المجملة والمفصلة لا يبقى عنده شائب اشتباه فى أنه وحى منزل من عند اللّه هذا هو الذى اتفقت عليه كلمة الجمهور ولكن الأنسب ببناء الجواب فيما سلف على مجرد امتناع صدور التغيير والتبديل عنه صلى اللّه عليه و سلم لكونه معصية موجبة للعذاب العظيم واقتصار حاله صلى اللّه عليه و سلم على اتباع الوحى وامتناع الاستبداد بالرأى من غير تعرض هناك ولا ههنا لكون القرآن فى نفسه أمرا خارجا عن طوق البشر ولا لكونه صلى اللّه عليه و سلم غير قادر على الإتيان بمثله أن يستشهد ههنا على المطلب بملا يلائم ذلك من أحواله المستمرة فى تلك الكدة المتطاولة من كمال نزاهته صلى اللّه عليه و سلم عما يوهم شائبة صدور الكذب والافتراء عنه فى حق أحد كائنا من كان كما ينبىء عنه تعقيبه بتظليم المفترى على اللّه تعالى والمعنى قد لبثت فيما بين ظهرانيكم قبل الوحى لا أتعرض لأحد قط بتحكم ولا جدال ولا أحوم حول مقال فيه شائبة شبهة فضلا عما فيه كذب أو افتراء ألا تلاحظون فلا تعقلون أن من هذا شأنه المطرد فى هذا العهد البعيد مستحيل أن يفترى على اللّه عز و جل ويتحكم على كافة الخلق بالأوامر والنواهى الموجبة لسلب الأموال وسفك الدماء ونحو ذلك وأن ما أتى به وحى مبين تنزيل من رب العالمين وقوله عز و جل |
﴿ ١٦ ﴾