٧١

ولو اتبع الحق أهواءهم استئناف مسوق لبيان أن أهواءهم الزائغة التي ما كرهوا الحق إلا لعدم موافقته إياها مقتضية للطامة أي لو كان ما كرهوه من الحق الذي من جملته ما جاء به صلى اللّه عليه و سلم موافقا لأهوائهم الباطلة

لفسدت السموات والأرض ومن فيهن وخرجت عن الصلاح والانتظام بالكلية لأن مناط النظام ليس إلا ذلك وفيه من تنويه شأن الحق والتنبيه على سمو مكانه ما لا يخفى

وأما ما قيل لو أتبع الحق الذي جاء به صلى اللّه عليه و سلم أهواءهم وانقلب شركا لجاء اللّه تعالى بالقيامة ولاهلك العالم ولم يؤخر ففيه أنه لا يلائم فرض مجيئه صلى اللّه عليه و سلم به وكذا ما قيل لو كان في الواقع إلهان لا يناسب المقام وأما ما قيل لو أتبع الحق أهواءهم لخرج عن الإلهية فمالا احتمال له أصلا بل آتياهم بذكرهم انتقال من تشنيعهم بكراهة الحق الذي به يقوم العالم إلى تشنيعهم بالإعراض عما جبل عليه كل نفس من الرغبة فيما فيه خيرها والمراد بالذكر القرآن الذي هو فخرهم وشرفهم حسبما ينطق به قوله تعالى وإنه لذكر لك ولقومك أي بل أتيناهم بفخرهم وشرفهم الذي كان يجب عليهم أن يقبلوا عليه أكمل إقبال فهم بما فعلوه من النكوص

عن ذكرهم أي فخرهم وشرفهم خاصة

معرضون لا عن غير ذلك مما لا يوجب الإقبال عليه والاعتناء به وفي وضع للظاهر موضع الضمير مزيد تشنيع لهم وتقريع والفاء لترتيب ما بعدها من إعراضهم عن ذكرهم

 على ما قبلها من إيتاء ذكرهم لا لترتيب الإعراض على الإيتاء مطلقا فإن المستتبع لكون إعراضهم إعراضا عن ذكرهم هو إيتاء ذكرهم لا الإتياء مطلقا وفي إسناد الإتيان بالذكر إلى نور العظمة بعد إسناده إلى ضميره صلى اللّه عليه و سلم تنويه لشأن النبي صلى اللّه عليه و سلم وتنبيه على كونه بمثابة عظيمة منه عز و جل وفي إيراد القرآن الكريم عند نسبته إليه صلى اللّه عليه و سلم بعنوان الحقية وعند نسبته إليه تعالى بعنوان الذكر من لانكتة السرية والحكمة العبقرية ما لا يخفى فإن التصريح بحقيته المستلزمة لحقية من جاء به هو الذي يقتضيه مقام حكاية ما قاله المبطلون في شأنه

وأما التشريف فإنما يليق به تعالى لا سيما رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أحد المشرفين

وقيل المراد بالذكر ما تمنوه بقولهم لو أن عندنا ذكرا من الأولين

وقيل وعظهم وايد ذلك أنه قرئ بذكراهم والتشنيع على الأولين أشد فإن الإعراض عن وعظهم ليس في مثابة إعراضهم عن شرفهم أو عن ذكرهم الذي يتمنونه في الشناعة والقباحة

﴿ ٧١