١٣

شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى وإيذان بأن ما شرع لهم صادر عن كمال العلم والحكمة كما أن بيان نسبته إلى المذكورين عليهم الصلاة والسلام تنبيه على كونه دينا قديما أجمع عليه الرسل والخطاب لأمته عليه الصلاة و السلام أى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ومن بعده من ارباب الشرائع وأولى العزائم من مشاهير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأمرهم به أمرا مؤكدا على أن تخصيصهم بالذكر لما ذكر من علو شأنهم ولا ستمالة قلوب الكفرة إليه لاتفاق الكل على نبوة بعضهم وتفرد اليهود في شأن موسى عليه السلام وتفرد النصارى في حق عيسى عليه السلام وإلا فما من نبي إلا وهو مأمور بما أمره به وهو عبارة عن التوحيد ودين الإسلام وما يختلف باخلافت الأمم وتبدل الأعصار من أصول الشرائع والأحكام كما ينبىء عنه التوصية فإنها معربة عن تأكيد الأمر والاعتناء بشأن المأمور به والمراد بإيحائه إليه عله الصلاة والسلام إما ما ذكر في صدر السورة الكريمة وفي قوله تعالى وكذلك أوحينا الآية أو ما يعمهما وغيرهما مما وقع في سائر المواقع التي من جملتها قوله تعالى ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وقوله تعالى قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى إنما إلهكم إله واحد وغير ذلك والتعبير عن ذلك عند نسبته إليه عليه الصلاة و السلام بالذي لزيادة تفخيم شأنه من تلك الحيثية وإيثار الإيحاء على ما قبله وما بعده من التوصية لمراعاة ما وقع في الآيات المذكورة ولما في الإيحاء من التصريح برسالته عليه الصلاة و السلام القامع لإنكار الكفرة والالتفات الى نون العظمة لإظهار كمال الاعتناء بإيحائه وهو السر في تقديمة على ما بعده مع تقدمه عليه زمانا وتقديم توصية نوح عليه السلام للمسارعة الى بيان كون المشروع لهم دينا قديما وتوجيه الخطاب إليه عليه الصلاة و السلام بطريق التلوين للتشريف والتنبيه على انه تعالى شرعه لهم على لسانه عليه الصلاة و السلام

أن أقيموا الدين أي دين الإسلام الذى هو توحيد اللّه تعالى وطاعته والإيمان بكتبه ورسله وبيوم الجزاء وسائر ما يكون الرجل به مؤمنا والمراد بإقامته تعديل أركانه وحفظه من أن يقع فيه زيف أو المواظبة عليه والتشمر له ومحل أن أقيموا إما النصب على أنه بدل من مفعول شرع والمعطوفين عليها أو الرفع علىانه جواب عن سؤال نشأ من إبهام المشروع كانه قيل وما ذاك فقيل هو إقامة الدين

وقيل بدل من ضمير به وليس بذاك لما أنه مع إفضائه إلى خروجه عن حيز الإيحاء الى النبي صلى اللّه عليه و سلم مستلزم لكون الخطاب في قوله تعالى

ولا تتفرقوا فيه للأنبياء المذكروين عليهم الصلاة والسلام وتوجيه النهي إلى أممهم تمحل ظاهر مع ان الآظهر أنه متوجه الى أمته صلى اللّه عليه و سلم وأنهم المتفرقون كما ستحيط به خبرا اي لا تتفرقوا في الدين الذى هو عبارة عما ذكر من الأصول دون الفروع المختلفة حسب اختلاف الأمم باختلاف الأعصار كما ينطق به قوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وقوله تعالى

كبر على المشركين شروع في بيان أحوال بعض من شرع لهم ما شرع من الدين القويم أي عظم وشق علهيم

ما تدعوهم إليه من التوحيد ورفض عبادة الأصنام واستبعدوه حيث قالوا أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذالشيء عجاب وقوله تعالى

اللّه يجتبي إليه من يشاء استئناف وارد لتحقيق الحق وفيه إشعار بأن منهم من يجيب إلى الدعوة أي اللّه يجتلب الى ما تدعوهم إليه من يشاء أن يجتبيه إليه وهو من صرف اختياره الى ما دعى إليه كما ينبىء عنه قوله تعالى

ويهدى إليه من ينيب أي يقبل إليه حيث يمده بالتوفيق والألطاف وقوله تعالى

﴿ ١٣