٣٢

والجبال منصوب بمضمر يفسره

أرساها أي اثبتها وأثبت بها الأرض أن تميد بأهلها وهذا تحقيق للحق وتنبيه على أن الرسو المنسوب اليها في مواضع كثيرة من التنزيل بالتعبير عنها بالرواسي ليس من مقتضيات ذواتها بل هو بارسائه عز و جل ولولاه لما ثبتت في أنفسها فضلا عن اثباتها للأرض وقرىء والأرض والجبال بالرفع على الابتداء ولعل تقديم اخراج الماء والمرعى ذكرا مع تقدم الارساء عليه وجودا وشدة تعلقه بالدحو لابراز كمال الاعتناء بأمر المأكل والمشرب مع ما فيه من دفع توهم رجوع ضميري الماء والمرعى الى الجبال وهذا كما ترى يدل يظاهره على تأخر دحو الأرض عن خلق السماء وما فيها كما يروى عن الحسن من أنه تعالى خلق الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليه دخان ملتزق بها ثم اصعد الدخان وخلق منه السموات وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض وذلك قوله تعالى كانتا رتقا ففتقناهما الآية وقد مر في سورة حم السجدة أن قوله تعالى قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين الى قوله تعالى ثم استوى الى السماء وهي دخان الآية ان حمل ما فيه من الخلق وما عطف عليه من الأفعال الثلاثة على معانيها الظاهرة لا على تقديرها فهو وما في سورة البقرة من قوله تعالى هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى الى السماء فسواهن سبع سموات يدلان على تقدم خلق الأرض وما فيها على خلق السماء وما فيها وعليه اطباق اكثر أهل التفسير وقد روي أن العرش كان قبل خلق السموات والأرض على الماء ثم انه تعالى أحدث في الماء اضطرابا فأزبد فارتفع منه دخان فاما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق منه اليبوسة فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعلها أرضين

وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق منه السموات وروي أنه تعالى خلق جرم الأرض يوم الأحد ويوم لاثنين ودحاها وخلق ما فيها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وخلق السموات وما فيهن يوم الخميس ويوم الجمعة وخلق آدم عليه السلام في آخر ساعة منه وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة فالأقرب كما قيل تأمويل هذه الآية بأن يجعل ذلك اشارة الى ذكر ما ذكر من بناء السماء ورفع سمكها وتسويتها وغيرها لا الى انفسها ويحمل بعدية في الذكر كما هو المعهود في ألسنة العرب والعجم لا في الوجود لما عرفت من أن انتصاب الأرض بمضمر مقدم قد حذف على شريطة التفسير لا بما ذكر بعده ليفيد القصر وتتعين البعدية في الوجود وفائدة تأخيره في الذكر أما التنبيه على أنه قاصر في الدلالة على القدرة القاهرة بالنسبة الى أحوال السماء

وأما الاشعار بأنه ادخل في الالزام لما أن المنافع المنوطة بما في الأرض أكثر وتعلق مصالح الناس بذلك اظهر واحاطتهم بتفاصيل أحواله أكمل وليس ما روي عن الحسن نصا في تأخر دحو الأرض عن خلق السماء فان بسط الأرض معطوف على اصعاد الدخان وخلق السماء بالواو هي بمعزل من الدلالة على الترتيب هذا على تقدير حمل ما ذكر في آيات سورة السجدة من الخلق وما عطف عليه من الأفعال الثلاثة على معانيها الظاهرة

وأما اذا حملت على تقديرها فلا دلالة فيها الا على تقدم تقدير الأرض وما فيها على ايجاد السماء كما لا دلالة على الترتيب أصلا اذا حملت كلمة ثم فيها وفيما في سورة البقرة على التراخي في الرتبة وقد سلف تفصيل الكلام في السورة المذكورة وقوله تعالى

﴿ ٣٢