١٤٨

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن شهر بن حوشب رضي اللّه عنه قال‏:‏ انطلق يونس عليه السلام مغضبا، فركب مع قوم في سفينة، فوقفت السفينة لم تسر، فساهمهم، فتدلى في البحر، فجاء الحوت يبصبص بذنبه، فنودي الحوت أنا لم نجعل يونس لك رزقا، إنما جعلناك له حرزا ومسجدا‏.‏

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي اللّه عنه قال‏:‏ لما ذهب مغاضبا، فكان في بطن الحوت قال من بطن الحوت‏:‏ إلهي من البيوت أخرجتني، ومن رؤوس الجبال أنزلتني، وفي البلاد سيرتني، وفي البحر قذفتني، وفي بطن الحوت سجنتني، فما تعرف مني عملا صالحا تروح به عني‏.‏ قالت الملائكة عليهم السلام‏:‏ ربنا صوت معروف من مكان غربة‏!‏ فقال لهم الرب‏:‏ ذاك عبدي يونس قال اللّه{‏فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون‏}‏ وكان في بطن الحوت أربعين يوما، فنبذه اللّه ‏{‏بالعراء وهو سقيم‏}‏ وأنبت ‏{‏عليه شجرة من يقطين‏}‏ قال‏:‏ اليقطين الدباء، فاستظل بظلها، وأكل من قرعها، وشرب من أصلها ما شاء اللّه‏.‏ ثم أن اللّه تعالى أيبسها، وذهب ما كان فيها، فحزن يونس عليه السلام، فأوحى اللّه إليه‏:‏ حزنت على شجرة أنبتها ثم أيبستها، ولم تحزن على قومك حين جاءهم العذاب، فصرف عنهم، ثم ذهبت مغاضبا‏.‏

وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن حميد بن هلال قال‏:‏ كان يونس عليه السلام يدعو قومه، فيأبون عليه، فإذا خلا دعا اللّه لهم بالخير، وقد بعثوا عليه عينا، فلما أعيوه، دعا اللّه عليهم، فأتاهم عينهم فقال‏:‏ ما كنتم صانعين فاصنعوا، فقد أتاكم العذاب، فقد دعا عليكم، فانطلق ولا يشك أنه يسأتيهم العذاب، فخرجوا قد ولهوا البهائم عن أولادها، فخرجوا تائبين فرحمهم اللّه تعالى، وجاء يونس عليه السلام ينظر بأي شيء أهلكها، فإذا الأرض مسودة منهم بدون عذاب، وذاك حين ذهب مغاضبا، فركب مع قوم في سفينة، فجعلت السفينة لا تنفذ، ولا ترجع فقال بعضهم لبعض، ماذا إلا لذنب بعضكم‏؟‏ فاقترعوا أيكم نلقيه في الماء ونخلي وجهنا، فاقترعوا، فبقي سهم يونس عليه السلام في الشمال فقالوا‏:‏ لا نفتدي من أصحابنا بنبي اللّه فقال يونس عليه السلام‏:‏ ما يراد غيري، فاقذفوني ولا تنكسوني، ولكن صبوني على رجلي صبا، ففعلوا وجاء الحوت شاحبا فاه، فالتقمه فاتبعه حوت أكبر من ذلك ليلتقمهما، فسبقه فكان يونس في بطن الحوت حتى رق العظم، وذهب اللحم والبشر والشعر، وكان سقيما فدعا بما دعا به، فنبذ بالعراء وهو سقيم، فأنبت اللّه ‏{‏عليه شجرة من يقطين‏}‏ فكان فيها غذاه حتى اشتد العظم، ونبت اللحم والشعر والبشر، فعاد كما كان، فبعث اللّه عليها ريحا، فيبست فبكى عليها، فأوحى اللّه إليه يا يونس أتبكي على شجرة جعل اللّه لك فيها غذاء، ولا تبكي على قومك أن يهلكوا‏؟‏

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي اللّه عنه قال‏:‏ لما بعث اللّه يونس عليه السلام إلى قومه يدعوهم إلى اللّه وعبادته، وأن يتركوا ما هم فيه، أتاهم فدعاهم، فأبوا عليه، فرجع إلى ربه فقال‏:‏ رب إن قومي قد أبوا علي وكذبوني قال‏:‏ فأرجع إليهم فإن هم آمنوا وصدقوا، وإلا فأخبرهم إن العذاب مصبحهم غدوة، فأتاهم فدعاهم، فأبوا عليه قال‏:‏ فإن العذاب مصبحكم غدوة، ثم تولى عنهم فقال القوم بعضهم لبعض، واللّه ما جربنا عليه من كذب منذ كان فينا، فانظروا صاحبكم، فإن بات فيكم الليلة، ولم يخرج من قريتكم، ولم يبت فيها، فاعلموا أن العذاب مصبحكم، حتى إذا كان في جوف الليل، أخذ مخلاة فجعل فيها طعيما له، ثم خرج فلما رأوه فرقوا بين كل والدة وولدها، من بهيمة أو إنسان، ثم عجوا إلى اللّه مؤمنين ومصدقين بيونس عليه السلام، وبما جاء به، فلما رأى اللّه ذلك منهم بعد ما كان قد غشيهم العذاب كما يغشى القبر بالثوب كشفه عنهم، ومكث ينظر ما أصابهم من العذاب، فلما أصبح رأى القوم يخرجون لم يصبهم شيء من العذاب قال‏:‏ لا واللّه لا آتيهم وقد جربوا علي كذبة، فخرج فذهب مغاضبا لربه، فوجد قوما يركبون في سفينة، فركب معهم، فلما جنحت بهم السفينة، تكفت ووقفت فقال القوم‏:‏ إن فيكم لرجلا عظيم الذنب، فاستهموا لا تغرقوا جميعا، فاستهم القوم فسهمهم يونس عليه السلام قال القوم‏:‏ لا نلقي فيه نبي اللّه، اختلطت سهامكم، فأعيدوها فأسهموا، فسهمهم يونس فلما رأى يونس عليه السلام ذلك قال للقوم‏:‏ فألقوني لا تغرقوا جميعا، فألقوه فوكل اللّه تعالى به حوتا، فالتقمه لا يكسر له عظما، ولا يأكل له لحما، فهبط به الحوت، إلى أسفل البحر، فلما جنه الليل،نادى في الظلمات ثلاث‏.‏ ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر ‏(‏أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين‏)‏(‏الأنبياء ٨٧‏)‏ فأوحى اللّه إلى الحوت‏:‏ أن ألقيه في البر، فارتفع الحوت، فألقاه في البر لا شعر له، ولا جلد، ولا ظفر، فلما طلعت عليه الشمس أذاه حرها، فدعا اللّه فأنبتت ‏{‏عليه شجرة من يقطين‏}‏ وهي الدباء‏.‏

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال‏:‏ لما ألقي يونس عليه السلام في بطن الحوت، طاف في البحور كلها سبعة أيام، ثم انتهى به إلى شط دجلة، فقذفه على شط دجلة، فأنبت اللّه ‏{‏عليه شجرة من يقطين‏}‏ قال من نبات البرية، فأرسله ‏{‏إلى مائة ألف أو يزيدون‏}‏ قال‏:‏ يزيدون بسبعين ألفا، وقد كان أظلهم العذاب، ففرقوا بين كل ذات رحم ورحمها من الناس والبهائم، ثم عجوا إلى اللّه، فصرف عنهم العذاب، ومطرت السماء دما‏.‏

وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد عن وهب قال‏:‏ أمر الحوت أن لا يضره، ولا يكلمه‏.‏ قال اللّه{‏فلولا أنه كان من المسبحين‏}‏ قال‏:‏ من العابدين قبل ذلك، فذكر بعبادته، فلما خرج من البحر نام نومة، فأنبت اللّه ‏{‏عليه شجرة من يقطين‏}‏ وهي الدباء فأظلته، فبلغت في يومها، فرآها قد أظلته، ورأى خضرتها فأعجبته، ثم نام نومة فاستيقظ، فإذا هي قد يبست، فجعل يحزن عليها، فقيل أنت الذي لم تخلق، ولم تسق، ولم تنبت، تحزن عليها‏.‏ وأنا الذي خلقت مائة ألف من الناس أو يزيدون، ثم رحمتهم، فشق عليك‏.‏

وأخرج ابن جرير من طريق ابن قسيط أنه سمع أبا هريرة رضي اللّه عنه يقول‏:‏ طرح بالعراء، فأنبت اللّه عليه يقطينة، فقلنا يا أبا هريرة‏:‏ ما اليقطينة‏؟‏ قال‏:‏ شجرة الدباء‏.‏ هيأ اللّه تعالى له أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض، فتفشخ عليه، فترويه من لبنها كل عشية وبكرة‏.‏ حتى نبت وقال ابن أبي الصلت قبل الإسلام في ذلك بيتا من شعر‏:‏

فأنبت يقطينا عليه برحمة * من اللّه لولا اللّه ألفى ضاحيا

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله{‏وأنبتنا عليه شجرة من يقطين‏}‏ قال‏:‏ القرع‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي اللّه عنه في قوله{‏شجرة من يقطين‏}‏ قال‏:‏ القرع‏.‏

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي اللّه عنه قال‏:‏ كنا نحدث أنها الدباء هذا القرع، الذي رأيتم أنبتها اللّه عليه يأكل منها‏.‏

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي اللّه عنه في قوله{‏شجرة من يقطين‏}‏ قال‏:‏ القرع‏.‏

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة وسعيد بن جبير في قوله{‏شجرة من يقطين‏}‏ قالا‏:‏ هي الدباء‏.‏

وأخرج الديلمي عن الحسن بن علي رفعه ‏"‏كلوا اليقطين، فلو علم اللّه عز وجل شجرة أخف منها لأنبتها على يونس عليه السلام، وإذا اتخذ أحدكم مرقا فليكثر فيه من الدباء، فإنه يزيد في الدماغ، وفي العقل‏"‏‏.‏

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي اللّه عنه قال‏:‏ أنبت اللّه شجرة من يقطين، وكان لا يتناول منها ورقة فيأخذها إلا أروته لبنا‏.‏ أو قال‏:‏ يشرب منها ما شاء حتى نبت‏.‏

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي اللّه عنه ‏{‏وأنبتنا عليه شجرة من يقطين‏}‏ قال‏:‏ غير ذات أصل من الدباء، أو غيره من شجرة ليس لها ساق‏.‏

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ‏{‏وأنبتنا عليه شجرة من يقطين‏}‏ قال‏:‏ كل شيء نبت، ثم يموت من عامه‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير رضي اللّه عنه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال‏:‏ ما بال البطيخ من القرع، هو كل شيء يذهب على وجه الأرض‏.‏

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي اللّه عنه قال‏:‏ كل شجرة لا ساق لها فهي من اليقطين، والذي يكون على وجه الأرض من البطيخ والقثاء‏.‏

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي اللّه عنه أنه سئل عن اليقطين أهو القرع‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ ولكنها شجرة سماها اللّه اليقطين، أظلته‏.‏

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي اللّه عنه في قوله{‏وأرسلناه‏}‏ قبل أن يلتقمه الحوت‏.‏

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن وقتادة في قوله{‏وأرسلناه‏}‏ قالا بعثه اللّه تعالى قبل أن يصيبه ما أصابه، أرسل إلى أهل نينوى من أرض الموصل‏.‏

وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال‏:‏ إنما كانت رسالة يونس عليه السلام بعدما نبذه الحوت، ثم تلا ‏{‏فنبذناه بالعراء‏}‏ إلى قوله ‏{‏وأرسلناه إلى مائة ألف‏}‏‏.‏

وأخرج الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي بن كعب رضي اللّه عنه قال‏:‏ سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قول اللّه ‏{‏وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون‏}‏ قال‏:‏ يزيدون عشرين ألفا‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله{‏أو يزيدون‏}‏ قال‏:‏ يزيدون ثلاثين ألفا‏.‏

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله{‏أو يزيدون‏}‏ قال‏:‏ يزيدون بضعة وثلاثين ألفا‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله{‏إلى مائة ألف أو يزيدون‏}‏ قال‏:‏ كانوا مائة ألف، وبضعة وأربعين ألفا‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله{‏مائة ألف أو يزيدون‏}‏ قال‏:‏ يزيدون بسبعين ألفا‏.‏

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن نوف في قوله{‏مائة ألف أو يزيدون‏}‏ قال‏:‏ كانت زيادتهم سبعين‏.‏

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي اللّه عنه في قوله{‏فآمنوا فمتعناهم إلى حين‏}‏ قال‏:‏ الموت‏.‏

﴿ ١٤٨