|
٢٤ أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما. أن داود عليه السلام حدث نفسه إن ابتلي أن يعتصم، فقيل له إنك ستبتلى وستعلم اليوم الذي تبتلى فيه، فخذ حذرك فقيل له: هذا اليوم الذي تبتلى فيه، فأخذ الزبور، ودخل المحراب، وأغلق باب المحراب، وأدخل الزبور في حجره، وأقعد منصفا على الباب، وقال لا تأذن لأحد علي اليوم. فبينما هو يقرأ الزببور إذ جاء طائر مذهب كأحسن ما يكون للطير، فيه من كل لون، فجعل يدرج بين يديه، فدنا منه، فأمكن أن يأخذه، فتناوله بيده ليأخذه، فطار فوقه على كوة المحراب، فدنا منه ليأخذه، فطار فأشرف عليه لينظر أين وقع، فإذا هو بامرأة عند بركتها تغتسل من الحيض، فلما رأت ظله حركت رأسها، فغطت جسدها أجمع بشعرها، وكان زوجها غازيا في سبيل اللّه، فكتب داود عليه السلام إلى رأس الغزاة. انظر فاجعله في حملة التابوت، أما أن يفتح عليهم، وإما أن يقتلوا. فقدمه في حملة التابوت فقتل. فلما انقضت عدتها خطبها داود عليه السلام، فاشترطت عليه إن ولدت غلاما أن يكون الخليفة من بعده، وأشهدت عليه خمسا من بني إسرائيل، وكتبت عليه بذلك كتابا، فأشعر بنفسه أنه كتب حتى ولدت سليمان عليه الصلاة والسلام وشب، فتسور عليه الملكان المحراب، فكان شأنهما ما قص اللّه تعالى في كتابه، وخر داود عليه السلام ساجدا، فغفر اللّه له، وتاب عليه. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: ما أصابه القدر إلا من عجب عجب بنفسه. وذلك أنه قال يا رب ما من ساعة من ليل ونهار إلا وعابد من بني إسرائيل يعبدك، يصلي لك، أو يسبح، أو يكبر، وذكر أشياء، فكره اللّه ذلك فقال "يا داود إن ذلك لم يكن إلا بي، فلولا عوني ما قويت عليه. وجلالي لآكلك إلى نفسك يوما. قال: يا رب فأخبرني به، فأصابته الفتنة ذلك اليوم. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن أبي حاتم بسند ضعيف عن أنس رضي اللّه عنه سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: إن داود عليه السلام حين نظر إلى المرأة قطع على بني إسرائيل، وأوصى صاحب الجيش فقال: إذا حضر العدو تضرب فلانا بين يدي التابوت، وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به، من قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل، أو ينهزم منه الجيش. فقتل وتزوج المرأة، ونزل الملكان على داود عليه السلام، فسجد فمكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه، فأكلت الأرض جبينه وهو يقول في سجوده: رب زل داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب. رب إن لم ترحم ضعف داود، وتغفر ذنوبه جعلت ذنبه حديثا في المخلوق من بعده. فجاء جبريل عليه السلام من بعد أربعين ليلة فقال: يا داود إن اللّه قد غفر لك، وقد عرفت أن اللّه عدل لا يميل، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة فقال: يا رب دمي الذي عند داود؟ قال جبريل: ما سألت ربك عن ذلك، فإن شئت لأفعلن فقال: نعم. ففرح جبريل، وسجد داود عليه السلام، فمكث ما شاء اللّه، ثم نزل فقال: قد سألت اللّه يا داود عن الذي أرسلتني فيه. فقال: قل لداود إن اللّه يجمعكما يوم القيامة فيقول "هب لي دمك الذي عند داود فيقول: هو لك يا رب فيقول: فإن لك في الجنة ما شئت، وما اشتهيت عوضا". وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن المنذر عن مجاهد رضي اللّه عنه قال: لما أصاب داود عليه السلام الخطيئة، وإنما كانت خطيئته، أنه لما أبصرها أمر بها فعزلها فلم يقربها، فأتاه الخصمان، فتسورا في المحراب، فلما أبصرهما قام إليهما فقال: أخرجا عني ما جاء بكما إلي فقالا: إنما نكلمك بكلام يسير {إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة} وأنا {لي نعجة واحدة} وهو يريد أن يأخذها مني فقال داود عليه السلام: واللّه أنا أحق أن ينشر منه من لدن هذه إلى هذه. يعني من أنفه إلى صدره فقال رجل: هذا داود فعله فعرف داود عليه السلام أنما عني بذلك، وعرف ذنبه، فخر ساجدا للّه عز وجل أربعين يوما، وأربعين ليلة، وكانت خطيئته مكتوبة في يده، ينظر إليها لكي لا يغفل حتى نبت البقل حوله من دموعه، ما غطى رأسه، فنودي أجائع فتطعم، أم عار فتكسى، أم مظلوم فتنصر، قال: فنحب نحبة هاج ما يليه من البقل حين لم يذكر ذنبه، فعند ذلك غفر له، فإذا كان يوم القيامة قال له ربه: "كن أمامي فيقول أي رب ذنبي ذنبي... فيقول اللّه: كن خلفي فيقول له: خذ بقدمي فيأخذ بقدمه". وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} قال: إن داود عليه السلام قال: يا رب قد أعطيت إبراهيم، وإسحق، ويعقوب، من الذكر ما لو وددت أنك أعطيتني مثله. قال اللّه عز وجل "إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم" قال: نعم. قال له: فاعمل حتى أرى بلاءك. فكان ما شاء اللّه أن يكون، وطال ذلك عليه، فكاد أن ينساه، فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة، فأراد أن يأخذها، فطارت على كوة المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت فاطلع من الكوة، فرأى امرأة تغتسل، فنزل من المحراب، فذهب ليأخذها، فأرسل إليها، فجاءته فسألها عن زوجها، وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السرية أن يؤمره على السرايا ليهلك زوجها، ففعل فكان يصاب أصحابه وينجو، وربما نصروا. وإن اللّه عز وجل لما رأى الذي وقع فيه داود عليه السلام أراد أن ينفذ أمره، فبينما داود عليه السلام ذات يوم في محرابه، إذ تسور عليه الملكان من قبل وجهه، فلما رأهما وهو يقرأ، فزع وسكت وقال: لقد استضعفت في ملكي، حتى أن الناس يتسورون على محرابي فقالا له {لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض} ولم يكن لنا بد من أن نأتيك، فاسمع منا فقال أحدهما {إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها} يريد أن يتم مائة، ويتركني ليس لي شيء {وعزني في الخطاب} قال: إن دعوت ودعا كان أكثر مني، وإن بطشت وبطش كان أشد مني. فذلك قوله {وعزني في الخطاب} قال له داود عليه السلام: أنت كنت أحوج إلى نعجتك منه {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} إلى قوله {وقليل ما هم} ونسي نفسه صلى اللّه عليه وسلم، فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال، فتبسم أحدهما إلى الآخر، فرآه داود عليه السلام، فظن إنما فتن {فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب} أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من دموع عينيه، ثم شدد اللّه ملكه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي اللّه عنه أن داود عليه السلام جزأ الدهر أربعة أجزاء. يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ويوما للقضاء بين بني إسرائيل، ويوما لبني إسرائيل. ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود عليه السلام في نفسه أنه سيطيق ذلك، فلما كان في يوم عبادته غلق أبوابه، وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة. فبينما هو يقرأوها إذ حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، فطارت فوقعت غير بعيد من غير مرتبتها، فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل، فأعجبه حسنها وخلقها، فلما رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها، فزاد ذلك أيضا بها اعجابا، وكان قد بعث زوجها على بعض بعوثه، فكتب إليه أن يسير إلى مكان كذا وكذا... مكان إذا سار إليه قتل ولم يرجع، ففعل، فأصيب، فخطبها داود عليه السلام. فتزوجها. فبينما هو في المحراب، إذ تسور الملكان عليه، وكان الخصمان إنما يأتونه من باب المحراب، ففزع منهم حين تسوروا المحراب فقالوا: {لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط} أي لا تمل {واهدنا إلى سواء الصراط} أي أعدله، وخيره {إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة} يعني تسعا وتسعين امرأة لداود، وللرجل نعجة واحدة فقال {أكفلنيها وعزني في الخطاب} أي قهرني وظلمني {قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب} قال: سجد أربعين ليلة حتى أوحى اللّه إليه: إني قد غفرت لك. قال: رب كيف تغفر لي وأنت حكم عدل لا تظلم أحدا؟ قال "إني أقضيك له، ثم استوهبه دمك، ثم أثيبه من الجنة حتى يرضى" قال: الآن طابت نفسي، وعلمت أن قد غفرت لي. قال اللّه تعالى {فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب}. وأخرج أحمد في الزهد عن أبي عمران الجوني رضي اللّه عنه في قوله {وهل أتاك نبأ الخصم} فجلسا فقال لهما قضاء فقال أحدهما إلى الآخر {أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب} فعجب داود عليه السلام، وقال {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} فأغلظ له أحدهما وارتفع. فعرف داود إنما ذلك بذنبه، فسجد فكان أربعين يوما وليلة لا يرفع رأسه إلا إلى صلاة الفريضة حتى يبست، وقرحت جبهته، وقرحت كفاه وركبتاه، فأتاه ملك فقال: يا داود إني رسول ربك إليك، وإنه يقول لك ارفع رأسك فقد غفرت لك فقال: يا رب كيف وأنت حكم عدل كيف تغفر لي ظلامة الرجل؟ فترك ما شاء اللّه، ثم أتاه ملك آخر فقال: يا داود إني رسول ربك إليك، وإنه يقول لك، إنك تأتيني يوم القيامة وابن صوريا تختصمان إلي، فأقضي له عليك، ثم أسألها إياه فيهبها لي، ثم أعطيه من الجنة حتى يرضى. وأخرج ابن جرير والحاكم عن السدي قال: إن داود عليه السلام قد قسم الدهر ثلاثة أيام. يوما يقضي فيه بين الناس، ويوما يخلو فيه لعبادة ربه، ويوما يخلو فيه بنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب أرى الخير قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي. فأعطني مثل ما أعطيتهم، وافعل بي مثل ما فعلت بهم. فأوحى اللّه إليه "إن آباءك قد ابتلوا ببلايا لم تبتل بها. ابتلي إبراهيم بذبح ولده، وابتلي إسحق بذهاب بصره، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل بشيء من ذلك. قال: رب ابتلني بما ابتليتهم به، وأعطني مثل ما أعطيتهم، فأوحى اللّه إليه: إنك مبتلى فاحترس. فمكث بعد ذلك ما شاء اللّه تعالى أن يمكث، إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة حتى وقع عند رجليه، وهو قائم يصلي، فمد يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتى وقع في كوة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوة، فنظر أين يقع، فبعث في أثره، فأبصر امرأة تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خلقا، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فالتفت بشعرها فاستترت به، فزاده ذلك فيها رغبة، فسأل عنها، فأخبر أن لها زوجا غائبا بمسلحة كذا وكذا.. فبعث إلى صاحب المسلحة يأمره. أن يبعث إلى عدو كذا وكذا.. فبعثه ففتح له أيضا، فكتب إلى داود عليه السلام بذلك، فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا... فبعثه فقتل في المرة الثالثة، وتزوج امرأته. فلما دخلت عليه لم يلبث إلا يسيرا حتى بعث اللّه له ملكين في صورة أنسيين، فطلبا أن يدخلا عليه، فتسورا عليه الحراب، فما شعر وهو يصلي إذ هما بين يديه جالسين ففزع منهما فقالا {لا تخف} إنما نحن {خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط} يقول: لا تخف {واهدنا إلى سواء الصراط} إلى عدل القضاء فقال: قصا علي قصتكما فقال أحدهما {إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة} قال الآخر: وأنا أريد أن آخذها فأكمل بها نعاجي مائة قال وهو كاره قال إذا لا ندعك وذاك قال: يا أخي أنت على ذلك بقادر قال: فإن ذهبت تروم ذلك ضربنا منك هذا وهذا. يعني طرف الأنف والجبهة. قال: يا داود أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا. حيث لك تسع وتسعون امرأة، ولم يكن لأوريا إلا امرأة واحدة، فلم تزل تعرضه للقتل حتى قتلته. وتزوجت امرأته، فنظر فلم ير شيئا، فعرف ما قد وقع فيه، وما قد ابتلي به {فخر ساجدا} فبكى، فمكث يبكي أربعين يوما، لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجدا يبكي، ثم يدعو حتى نبت العشب من دموع عينيه، فأوحى اللّه إليه بعد أربعين يوما "يا داود ارفع رأسك قد غفر لك قال: يا رب كيف أعلم أنك قد غفرت لي، وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء؟ إذا جاء يوم القيامة أخذ رأسه بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه دما في يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني، فأوحى اللّه إليه إذا كان ذلك دعوت أوريا، فأستوهبك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة" قال: رب الآن علمت أنك غفرت لي، فما استطاع أن يملاء عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض صلى اللّه عليه وسلم. وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي رضي اللّه عنه. نحوه. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي اللّه عنه في قوله {إذ تسوروا المحراب} قال: المسجد. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي الأحوص قال: دخل الخصمان على داود عليه السلام، وكل واحد منهما آخذ برأس صاحبه. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {ففزع منهم} قال: كان الخصوم يدخلون من الباب، ففزع من تسورهما. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي اللّه عنه {ولا تشطط} أي لا تمل. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي اللّه عنه في قوله {إن هذا أخي} قال: على ديني. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وأحمد في الزهد وابن جرير والطبراني عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: ما زاد داود عليه السلام على أن قال {أكفلنيها}. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله {فقال أكفلنيها} قال: فما زاد داود عليه السلام على أن قال: تحول لي عنها. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: ما زاد داود عليه السلام على أن قال: أنزل لي عنها. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي اللّه عنه في قوله {أكفلنيها} قال: أعطنيها، طلقها لي أنكحها وخل سبيلها {وعزني في الخطاب} قال: قهرني ذلك العز الكلام والخطاب. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي اللّه عنه في قوله {أكفلنيها} قال: أعطنيها {وعزني في الخطاب} قال: إذا تكلم كان أبلغ مني، وإذا دعا كان أكثر قال أحد الملكين: ما جزاؤه؟ قال: يضرب ههنا وههنا وههنا. ووضع يده على جبهته، ثم على أنفه، ثم تحت الأنف، قال: ترى ذلك جزاءه. فلم يزل يردد ذلك عليه حتى علم أنه ملك، وخرج الملك، فخر داود ساجدا قال: ذكر أنه لم يرفع رأسه أربعين صباحا يبكي، حتى أعشب الدموع ما حول رأسه حتى إذا مضى أربعون صباحا، زفر زفرة هاج ما حول رأسه من ذلك العشب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله {وقليل ما هم} يقول: قليل الذين هم فيه. وفي قوله {إنما فتناه} قال: اختبرناه. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي اللّه عنه {وظن داود} قال: علم داود. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي اللّه عنه {وظن داود أنما فتناه} قال: ظن إنما ابتلي بذلك. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رضي اللّه عنه قال: إنما كان فتنة داود عليه السلام النظر. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي اللّه عنه في قوله {وخر راكعا} قال: ساجدا. وأخرج عبد بن حميد عن كعب رضي اللّه عنه قال: سجد داود نبي اللّه أربعين يوما، وأربعين ليلة لا يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس، وكان من آخر دعائه وهو ساجد أن قال: يا رب رزقتني العافية فسألتك البلاء، فلما ابتليتني لم أصبر، فإن تعذبني فأنا أهل ذاك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذاك. قال: وإذا جبريل عليه السلام قائم على رأسه، قال: يا داود إن اللّه قد غفر لك، فارفع رأسك، فلم يلتفت إليه، وناجى ربه وهو ساجد فقال: يا رب كيف تغفر لي وأنت الحكم العدل؟ قال "إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا، ثم استوهبك منه، فيهبك لي، وأثيبه الجنة قال: يا رب الآن علمت أنك قد غفرت لي، فذهب يرفع رأسه، فإذا هو يابس لا يستطيع، فمسحه جبريل عليه السلام ببعض ريشه فانبسط، فأوحى اللّه تعالى إليه بعد ذلك: يا داود قد أحللت لك امرأة أوريا، فتزوجها فولدت له سليمان عليه الصلاة والسلام. لم تلد قبله ولا بعده) قال كعب رضي اللّه عنه: فو اللّه لقد كان داود بعد ذلك يظل صائما اليوم الحار، فيقرب الشراب إلى فيه، فيذكر خطيئته، فينزل دمعه في الشراب حتى يفيضه، ثم يرده ولا يشربه. وأخرج أحمد وعبد بن حميد عن يونس بن خباب رضي اللّه عنه أن داود عليه السلام بكى أربعين ليلة، حتى نبت العشب حوله من دموعه، ثم قال: يا رب قرح الجبين، ورقا الدمع، وخطيئتي علي كما هي، فنودي: أن يا داود أجائع فتطعم، أم ظمآن فتسقى، أم مظلوم فتنصر، فنحب نحبة هاج ما هنالك من الخضرة، فغفر له عند ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عبيد بن عمير الليثي رضي اللّه عنه. أن داود عليه السلام سجد حتى نبت ما حوله خضرا من دموعه، فأوحى اللّه إليه: أن يا داود سجدت أتريد أن أزيدك في ملكك، وولدك، وعمرك؟ فقال: يا رب أبهذا ترد علي؟ أريد أن تغفر لي. وأخرج أحمد في الزهد والحكيم الترمذي عن الأوزاعي قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "مثل عيني داود كالقربتين ينطفان ماء، ولقد خددت الدموع في وجهه خديد الماء في الأرض". وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد من طريق عطاء بن السائب عن أبي عبد اللّه الجدلي قال: ما رفع داود عليه السلام رأسه إلى السماء بعد الخطيئة حتى مات. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد عن صفوان بن محرز قال: كان لداود عليه السلام يوم يتأوه فيه يقول: أوه من عذاب اللّه، أوه من عذاب اللّه، أوه من عذاب اللّه قيل لا أوه. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "لما أوحى اللّه إلى داود عليه السلام: ارفع رأسك فقد غفرت لك فقال: يا رب كيف تكون هذه المغفرة وأنت قضاء بالحق، ولست بظلام للعبيد؟ ورجل ظلمته، غصبته، قتلته، فأوحى اللّه تعالى إليه: بلى يا داود إنكما تجتمعان عندي، فأقضي له عليك، فإذا برز الحق عليك أستوهبك منه، فوهبك لي وأرضيته من قبلي، وأدخلته الجنة، فرفع داود رأسه، وطابت نفسه، وقال: نعم. يا رب هكذا تكون المغفرة". وأخرج عبد اللّه بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير عن مجاهد قال: لما أصاب داود الخطيئة {خر ساجدا} أربعين ليلة، حتى نبت من دموع عينيه من البقل ما غطى رأسه، ثم نادى رب قرح الجبين، وجمدت العين، وداود لم يرجع إليه في خطيئته شيء. فنودي أجائع فتطعم؟ أم مريض فتشفى؟ أم مظلوم فتنصر؟ فنحب نحبا هاج منه نبت الوادي كله، فعند ذلك غفر له، وكان يؤتى بالإناء، فيشرب فيذكر خطيئته، فينتحب فتكاد مفاصله تزول بعضها من بعض، فما يشرب بعض الإناء حتى يمتلئ من دموعه، وكان يقال دمعة داود عليه السلام تعدل دمعة الخلائق، ودمعة آدم عليه السلام تعدل دمعة داود ودمعة الخلائق، فيجيء يوم القيامة مكتوبة بكفه يقرأها يقول: ذنبي ذنبي.. فيقول رب قدمني، فيتقدم فلا يأمن، ويتأخر فلا يأمن، حتى يقول تبارك وتعالى: خذ بقدمي. وأخرج أحمد في الزهد عن علقمة بن يزيد قال: لو عدل بكاء أهل الأرض ببكاء داود ما عدله، ولو عدل بكاء داود وبكاء أهل الأرض ببكاء آدم عليه السلام حين أهبط إلى الأرض ما عدله. وأخرج أحمد عن إسمعيل بن عبد اللّه بن أبي المهاجر. أن داود عليه السلام كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام، واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي (ملائكة غلاظ شداد لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) (التحريم ٦). وأخرج أحمد والحكيم الترمذي وابن جرير عن عطاء الخراساني أن داود عليه السلام نقش خطيئته في كفه لكيلا ينساها، وكان إذا رآها اضطربت يداه. وأخرج عن مجاهد قال: يحشر داود عليه السلام وخطيئته منقوشة في كفه. وأخرج أحمد عن عثمان بن أبي العاتكة قال: كان من دعاء داود عليه السلام. سبحانك إلهي إذا ذكرت خطيئتي ضاقت علي الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك ارتدت إلي روحي، سبحانك إلهي! فكلهم [رآني] [ما بين قوسين زيادة اقتضاها أتمام المعنى فأثبتها المصحح] عليل بذنبي. وأخرج أحمد عن ثابت قال: اتخذ داود عليه السلام سبع حشايا من سعد، وحشاهن من الرماد، ثم بكى حتى أنفذها دموعا، ولم يشرب شرابا إلا مزجه بدموع عينيه. وأخرج أحمد عن وهب بن منبه قال: بكى داود عليه السلام حتى خددت الدموع في وجهه، واعتزل النساء، وبكى حتى رعش. وأخرج أحمد عن مالك بن دينار قال: إذا خرج داود عليه السلام من قبره، فرأى الأرض نارا، وضع يده على رأسه وقال: خطيئتي اليوم موبقتي. وأخرج عن عبد الرحمن بن جبير. أن داود عليه السلام كان يقول: اللّهم ما كتبت في هذا اليوم من مصيبة، فخلصني منها ثلاث مرات وما أنزلت في هذا اليوم من خير، فائتني منه نصيبا ثلاث مرات، وإذا أمسى قال مثل ذلك، فلم ير بعد ذلك مكروها. وأخرج أحمد عن معمر. أن داود عليه السلام لما أصاب الذنب قال: رب كنت أبغض الخطائين، فأنا اليوم أحب أن تغفر لهم. وأخرج عبد اللّه ابنه والحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن سعيد بن أبي هلال. أن داود عليه السلام كان يعوده الناس، وما يظنون إلا أنه مريض، وما به إلا شدة الفرق من اللّه سبحانه وتعالى. وأخرج ابن أبي شيبه عن كعب قال: كان داود عليه السلام إذا أفطر استقبل القبلة. وقال: اللّهم خلصني من كل مصيبة نزلت من السماء ثلاثا، وإذا طلع حاجب الشمس قال: اللّهم اجعل لي سهما في كل حسنة نزلت الليلة من السماء إلى الأرض ثلاثا. وأخرج أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه قال: في السجود في {ص} ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسجد فيها. وأخرج النسائي وابن مردويه بسند جيد عن ابن عباسط "أن النبي صلى اللّه عليه وسلم سجد في {ص} وقال: سجدها داود، ونسجدها شكرا". وأخرج ابن أبي شيبه والبخاري عن العوام قال: سألت مجاهدا عن سجدة"ص" فقال: سألت ابن عباس من أين سجدت؟ فقال: أو ما تقرأ (ومن ذريته داود وسليمان) (الأنعام ٨٤) إلى قوله (أولئك الذين هدى اللّه فبهداهم اقتده) فكان داود ممن أمر نبيكم صلى اللّه عليه وسلم أن يقتدى به، فسجد بها داود عليه السلام، فسجدها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن قال: "كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يسجد في"ص" حتى نزلت (أولئك الذين هدى اللّه فبهداهم اقتده) (الأنعام ٩٠) فسجد فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم". وأخرج الترمذي وابن ماجة والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه أني رأيت في هذه الليلة فيما يرى النائم كأني أصلي عند شجرة، وكأني قرأت سورة السجدة، فسجدت فرأيت الشجرة سجدت بسجودي، وكأني أسمعها وهي تقول اللّهم اكتب لي بها عندك ذكرا، وضع عني بها وزرا، واجعلها إلي عندك ذخرا، وأعظم بها أجرا، وتقبل مني كما تقبلت من عبدك داود. قال ابن عباس فقرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم السجدة، فسمعته يقول في سجوده كما أخبر الرجل عن قول الشجرة. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة. أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سجد في "ص". وأخرج ابن مردويه عن السائب بن يزيد قال: صليت خلف عمر الفجر فقرأ بنا سورة "ص" فسجد فيها، فلما قضى الصلاة قال له رجل: يا أمير المؤمنين ومن عزائم السجود هذه؟ فقال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسجد فيها. وأخرج ابن مردويه عن أنس. أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سجد في"ص". وأخرج الدارمي وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري قال: "قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو على المنبر"ص" فلما بلغ السجدة، نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان آخر يوم قرأها، فلما بلغ السجدة تهيأ الناس للسجود فقال: إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تهيأتم للسجود، فنزل فسجد". وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبه عن سعيد بن جبير "أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قرأ سورة "ص" وهوعلى المنبر، فلما أتى على السجدة قرأها، ثم نزل فسجد". وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبه عن سعيد بن جبير. أن عمر بن الخطاب كان يسجد في "ص". وأخرج ابن أبي شيبه عن ابن عمر قال: في"ص" سجدة. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبه والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن مسعود. أنه كان لا يسجد في "ص" ويقول: إنما هي توبة نبي ذكرت. وأخرج ابن أبي شيبه عن أبي العالية قال: كان بعض أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم يسجد في "ص" وبعضهم لا يسجد، فأي ذلك شئت فافعل. وأخرج ابن أبي شيبه عن أبي مريم قال: لما قدم عمر الشام أتى محراب داود عليه السلام، فصلى فيه، فقرأ سورة "ص" فلما انتهى إلى السجدة سجد. وأخرج أحمد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد. أنه رأى رؤيا أنه يكتب "ص" فلما أنتهى إلى التي يسجد بها، رأى الدواة، والقلم، وكل شيء بحضرته انقلب ساجدا، فقصها على النبي صلى اللّه عليه وسلم، فلم يزل يسجد بها بعد. وأخرج أبو يعلى عن أبي سعيد قال: رأيت فيما يرى النائم كأني تحت شجرة، وكأن الشجرة تقرأ "ص" فلما أتت على السجدة، سجدت فقالت في سجودها: اللّهم اغفر بها، اللّهم حط عني بها وزرا، واحدث لي بها شكرا، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته، فغدوت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبرته فقال "سجدت أنت يا أبا سعيد؟ فقلت: لا فقال. أنت أحق بالسجود من الشجرة ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم "ص" ثم أتى على السجدة، وقال في سجوده ما قالت الشجرة في سجودها". وأخرج الطبراني والخطيب عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال "السجدة التي في "ص" سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرا". وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: دخلت على النبي صلى اللّه عليه وسلم في سفره وهو يقرأ "ص" فسجد فيها. |
﴿ ٢٤ ﴾