٤٤

أخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي اللّه عنه ‏{‏واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب‏}‏ قال‏:‏ ذهاب الأهل والمال والضر الذي أصابه في جسده‏.‏ قال‏:‏ ابتلي سبع سنين وأشهرا، فألقي على كناسة بني إسرائيل تختلف الدواب في جسده، ففرج اللّه عنه، وأعظم له الأجر، وأحسن‏.‏

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي اللّه عنه في قوله{‏بنصب وعذاب‏}‏ قال ‏{‏بنصب‏}‏ الضر في الجسد، ‏{‏وعذاب‏}‏ قال‏:‏ في المال‏.‏

وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم وابن عساكر عن ابن عباس رضي اللّه عنهما‏.‏ أن الشيطان عرج إلى السماء قال‏:‏ يا رب سلطني على أيوب عليه السلام قال اللّه‏:‏ قد سلطتك على ماله وولده، ولم أسلطك على جسده‏.‏ فنزل فجمع جنوده فقال لهم‏:‏ قد سلطت على أيوب عليه السلام، فأروني سلطانكم، فصاروا نيرانا، ثم صاروا ماء، فبينما هم بالمشرق إذا هم بالمغرب، وبينما هم بالمغرب إذا هم بالمشرق، فأرسل طائفة منهم إلى زرعه، وطائفة إلى أهله، وطائفة إلى بقره، وطائفة إلى غنمه، وقال‏:‏ إنه لا يعتصم منكم إلا بالمعروف‏.‏ فأتوه بالمصائب بعضها على بعض‏.‏ فجاء صاحب الزرع فقال‏:‏ يا أيوب ألم تر إلى ربك أرسل على زرعك عدوا، فذهب به‏؟‏ وجاء صاحب الإبل فقال‏:‏ يا أيوب ألم تر إلى ربك أرسل على إبلك عدوا، فذهب بها‏؟‏ ثم جاءه صاحب البقر فقال‏:‏ ألم تر إلى ربك أرسل على بقرك عدوا، فذهب بها‏؟‏ وتفرد هو ببنيه جمعهم في بيت أكبرهم‏.‏

فبينما هم يأكلون ويشربون إذ هبت ريح، فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم، فجاء الشيطان إلى أيوب بصورة غلام فقال‏:‏ يا أيوب ألم تر إلى ربك جمع بنيك في بيت أكبرهم‏؟‏ فبينما هم يأكلون ويشربون إذ هبت ريح، فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم، فلو رأيتهم حين اختلطت دماؤهم ولحومهم بطعامهم وشرابهم‏.‏ فقال له أيوب أنت الشيطان، ثم قال له أنا اليوم كيوم ولدتني أمي، فقام فحلق رأسه، وقام يصلي، فرن إبليس رنة سمع بها أهل السماء، وأهل الأرض، ثم خرج إلى السماء فقال‏:‏ أي رب إنه قد اعتصم، فسلطني عليه، فإني لا أستطيعه إلا بسلطانك قال‏:‏ قد سلطتك على جسده، ولم أسلطك على قلبه‏.‏

فنزل فنفخ تحت قدمه نفخة قرح ما بين قدميه إلى قرنه، فصار قرحة واحدة، وألقي على الرماد حتى بدا حجاب قلبه، فكانت امرأته تسعى إليه حتى قالت له‏:‏ أما ترى يا أيوب نزل بي واللّه من الجهد والفاقة ما أن بعت قروني برغيف‏.‏ فأطعمك، فأدع اللّه أن يشفيك ويريحك قال‏:‏ ويحك‏.‏‏.‏‏!‏ كنا في النعيم سبعين عاما، فاصبري حتى نكون في الضر سبعين عاما، فكان في البلاء سبع سنين، ودعا فجاء جبريل عليه السلام يوما، فأخذ بيده، ثم قال‏:‏ قم‏.‏ فقام فنحاه عن مكانه وقال ‏{‏اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب‏}‏ فركض برجله، فنبعت عين فقال‏:‏ اغتسل‏.‏ فأغتسل منها، ثم جاء أيضا فقال ‏{‏اركض برجلك‏}‏ فنبعت عين أخرى‏.‏ فقال له‏:‏ اشرب منها، وهو قوله ‏{‏اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب‏}‏ وألبسه اللّه تعالى حلة من الجنة، فتنحى أيوب، فجلس في ناحية، وجاءت امرأته، فلم تعرفه فقالت‏:‏ يا عبد اللّه أين المبتلى الذي كان ههنا لعل الكلاب ذهبت به، والذئاب‏؟‏ وجعلت تكلمه ساعة فقال‏:‏ ويحك‏.‏‏.‏‏!‏ أنا أيوب قد رد اللّه علي جسدي، ورد اللّه عليه ماله وولده عيانا ‏{‏ومثلهم معهم‏}‏ وأمطر عليهم جرادا من ذهب، فجعل يأخذ الجراد بيده، ثم يجعله في ثوبه، وينشر كساءه، فيجعل فيه فأوحى اللّه إليه‏:‏ يا أيوب أما شبعت‏؟‏ قال‏:‏ يا رب من ذا الذي يشبع من فضلك ورحمتك‏.‏

وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال‏:‏ أن إبليس قعد على الطريق، فأتخذ تابوتا يداوي الناس فقالت امرأة أيوب‏:‏ يا عبد اللّه أن ههنا مبتلى من أمره كذا وكذا‏.‏‏.‏ فهل لك أن تداويه‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ بشرط إن أنا شفيته أن يقول أنت شفيتني لا أريد منه أجرا غيره‏.‏ فأتت أيوب عليه السلام فذكرت ذلك له فقال‏:‏ ويحك‏.‏‏.‏‏!‏ ذاك الشيطان للّه علي إن شفاني اللّه تعالى أن أجلدك مائة جلدة، فلما شفاه اللّه تعالى أمره أن يأخذ ضغثا فأخذ عذقا فيه مائة شمراخ، فضرب بها ضربة واحدة‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم قال‏:‏ الشيطان الذي مس أيوب يقال له مسوط‏.‏ فقالت امرأة أيوب أدع اللّه يشفيك، فجعل لا يدعو حتى مر به نفر من بني إسرائيل فقال بعضهم لبعض‏:‏ ما أصابه ما أصابه إلا بذنب عظيم أصابه، فعند ذلك قال‏:‏ ‏(‏رب أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين‏)‏(‏الأنبياء ٨٣‏)‏‏.‏

وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير رضي اللّه عنه في قوله{‏اركض برجلك هذا‏}‏ الماء ‏{‏مغتسل بارد وشراب‏}‏ قال‏:‏ ركض رجله اليمنى فنبعت عين، وضرب بيده اليمنى خلف ظهره فنبعت عين، فشرب من أحداهما واغتسل من الأخرى‏.‏

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي اللّه عنه قال‏:‏ ضرب برجله أرضا يقال لها الحمامة، فإذا عينان ينبعان فشرب من أحداهما واغتسل من الأخرى‏.‏

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي اللّه عنه أن نبي اللّه أيوب عليه السلام لما اشتد به البلاء إما دعا وإما عرض بالدعاء، فأوحى اللّه تعالى إليه ‏{‏أن اركض برجلك‏}‏ فنبعت عين، فاغتسل منها فذهب ما به، ثم مشى أربعين ذراعا، ثم ضرب برجله فنبعت عين فشرب منها‏.‏

وأخرج عبد بن حميد عن معاوية بن قرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ إن نبي اللّه أيوب عليه السلام لما أصابه الذي أصابه قال إبليس‏:‏ يا رب ما يبالي أيوب أن تعطيه أهله ومثلهم معهم وتخلف له ماله وسلطانه سلطني على جسده قال‏:‏ اذهب فقد سلطتك على جسده، وإياك يا خبيث ونفسه قال فنفخ فيه نفخة سقط لحمه، فلما أعياه صرخ صرخة اجتمعت إليه جنوده قالوا يا سيدنا ما أغضبك‏؟‏ فقال ألا أغضب أني أخرجت آدم من الجنة وأن ولده هذا الضعيف قد غلبني فقالوا‏:‏ يا سيدنا ما فعلت امرأته‏؟‏ فقال‏:‏ حية فقال‏:‏ أما هي فقد كفيك أمرها فقال له‏:‏ فإن أطلقتها فقد أصبت وإلا ‏[‏‏؟‏‏؟‏‏]‏ فأعطه فجاء إليها فاستبرأها، فأتت أيوب فقالت له‏:‏ يا أيوب إلى متى هذا البلاء‏؟‏ كلمة واحدة ثم استغفر ربك فيغفر لك فقال لها‏:‏ فعلتها أنت أيضا‏.‏ ثم قال لها أما واللّه لئن اللّه تعالى عافاني لأجلدنك مائة جلدة فقال ‏{‏رب أني مسني الشيطان بنصب وعذاب‏}‏ قأتاه جبريل عليه السلام فقال ‏{‏اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب‏}‏ فرجع إليه حسنه وشبابه، ثم جلس على تل من التراب فجاءته امرأته بطعامه فلم تر له أثرا فقالت لأيوب عليه السلام وهو على التل‏:‏ يا عبد اللّه هل رأيت مبتلى كان ههنا‏؟‏ فقال لها‏:‏ إن رأيتيه تعرفينه‏؟‏ فقالت له لعلك أنت هو‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فأوحى اللّه إليه أن ‏{‏خذ بيدك ضغثا فأضرب به ولا تحنث‏}‏ قال‏:‏ والضغث أن يأخذ الحزمة من السياط فيضرب بها الضربة الواحدة‏.‏

وأخرج أحمد في الزهد عن عبد الرحمن بن جبير رضي اللّه عنه قال‏:‏ ابتلي أيوب عليه السلام بماله وولده وجسده وطرح في المزبلة، فجعلت امرأته تخرج فتكتسب عليه ما تطعمه، فحسده الشيطان بذلك فكان يأتي أصحاب الخير والغنى الذين كانوا يتصدقون عليها فيقول‏:‏ اطردوا هذه المرأة التي تغشاكم فإنها تعالج صاحبها وتلمسه بيدها، فالناس يتقذرون طعامكم من أجلها إنها تأتيكم وتغشاكم، فجعلوا لا يدنونها منهم ويقولون‏:‏ تباعدي عنا ونحن نطعمك ولا تقربينا، فأخبرت بذلك أيوب عليه السلام، فحمد اللّه تعالى على ذلك وكان يلقاها إذا خرجت كالمتحزن بما لقي أيوب فيقول‏:‏ لج صاحبك وأبى إلا ما أبى اللّه، ولو تكلم بكلمة واحدة تكشف عنه كل ضر، ولرجع إليه ماله وولده‏.‏ فتجيء فتخبر أيوب فيقول لها‏:‏ لقيك عدو اللّه فلقنك هذا الكلام لئن أقامني اللّه من مرضي لأجلدنك مائة‏.‏ فلذلك قال اللّه تعالى ‏{‏وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث‏}‏ يعني بالضغث القبضة من الكبائس‏.‏

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ‏{‏وخذ بيدك ضغثا‏}‏ قال‏:‏ الضغث القبضة من المرعى الطيب‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ‏{‏وخذ بيدك ضغثا‏}‏ قال‏:‏ حزمة‏.‏

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي اللّه عنه في قوله{‏وخذ بيدك ضغثا‏}‏ قال‏:‏ عود فيه تسعة وتسعون عودا، والأصل تمام المائة‏.‏ وذلك أن امرأته قال لها الشيطان‏:‏ قولي لزوجك يقول كذا وكذا‏.‏‏.‏‏!‏ فقالت له‏.‏‏.‏‏.‏ فحلف أن يضربها مائة، فضربها تلك الضربة فكانت تحلة ليمينه وتخفيفا عن امرأته‏.‏

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن المسيب رضي اللّه عنه أنه بلغه أن أيوب عليه السلام حلف ليضربن امرأته مائة في أن جاءته في زيادة على ما كانت تأتي به من الخبز الذي كانت تعمل عليه وخشي أن تكون قارفت من الخيانة، فلما رحمه اللّه وكشف عنه الضر علم براءة امرأته مما اتهمها به، فقال اللّه عز وجل ‏{‏وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث‏}‏ فأخذ ضغثا من ثمام وهو مائة عود، فضرب به كما أمره اللّه تعالى‏.‏

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد رضي اللّه عنه في قوله{‏وخذ بيدك ضغثا‏}‏ قال‏:‏ هي لأيوب عليه السلام خاصة وقال عطاء‏:‏ هي للناس عامة‏.‏

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي اللّه عنه ‏{‏وخذ بيدك ضغثا‏}‏ قال‏:‏ جماعة من الشجر وكانت لأيوب عليه السلام خاصة، وهي لنا عامة‏.‏

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله{‏وخذ بيدك ضغثا‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏ وذلك أنه أمره أن يأخذ ضغثا فيه مائة طاق من عيدان القت، فيضرب به امرأته لليمين التي كان يحلف عليها قال‏:‏ ولا يجوز ذلك لأحد بعد أيوب إلا الأنبياء عليهم السلام‏.‏

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال‏:‏ حملت وليدة في بني ساعدة من زنا فقيل لها‏:‏ ممن حملك‏؟‏ قالت‏:‏ من فلان المقعد، فسأل المقعد فقال صدقت، فرفع ذلك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏خذوا له عثكولا فيه مائة شمراخ، فاضربوه به ضربة واحدة ففعلوا‏"‏‏.‏

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير والطبراني وابن عساكر من طريق أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن سعد بن عبادة رضي اللّه عنه قال‏:‏ كان في أبياتنا إنسان ضعيف مجدع، فلم يرع أهل الدار إلا وهو على أمة من إماء أهل الدار يعبث بها، وكان مسلما فرفع سعد رضي اللّه عنه شأنه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏اضربوه حده فقالوا يا رسول اللّه‏:‏ أنه أضعف من ذلك إن ضربناه مائة قتلناه قال‏:‏ فخذوا له عثكالا فيه مائة شمراخ، فاضربوه ضربة واحدة وخلوا سبيله‏)‏‏.‏

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن محمد بن عبد الرحمن عن ثوبان رضي اللّه عنه‏.‏ أن رجلا أصاب فاحشة على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو مريض على شفا موت، فأخبر أهله بما صنع، فأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بقنو فيه مائة شمراخ، فضربه ضربة واحدة‏.‏

وأخرج الطبراني عن سهل بن سعد أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أتي بشيخ قد ظهرت عروقه قد زنى بامرأة، فضربه بضغث فيه مائة شمراخ ضربة واحدة‏.‏

أما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا وجدناه صابرا نعم العبد‏}‏‏.‏

أخرج ابن عساكر عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال‏:‏ أيوب عليه السلام رأس الصابرين يوم القيامة‏.‏

وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن العاصي رضي اللّه عنه قال‏:‏ نودي أيوب عليه السلام يا أيوب لولا أفرغت مكان كل شعرة منك صبرا ما صبرت‏.‏

وأخرج ابن عساكر عن ليث بن أبي سليمان رضي اللّه عنه قال‏:‏ قيل لأيوب عليه السلام لا تعجب بصبرك، فلولا أني أعطيت موضع كل شعرة منك صبرا ما صبرت‏.‏

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن امرأة أيوب قالت‏:‏ يا أيوب إنك رجل مجاب الدعوة، فأدع اللّه أن يشفيك فقال‏:‏ ويحك‏.‏‏.‏‏!‏ كنا في النعماء سبعين عاما، فدعينا نكون في البلاء سبع سنين‏.‏

وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه رضي اللّه عنه قال‏:‏ زوجة أيوب عليه السلام رحمة رضي اللّه عنها بنت ميشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن الحسن رضي اللّه عنه قال‏:‏ كان أيوب عليه السلام كلما أصابه مصيبة قال‏:‏ اللّهم أنت أخذت، وأنت أعطيت مهما تبقى نفسك أحمدك على حسن بلائك‏.‏

﴿ ٤٤