٥٧

قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ} قرأ أبو عمرو، ونافع، وابن عامر، وعاصم: {ٱلرّيَاحِ} على الجمع. وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: {ٱلرّيَـٰحَ} على التوحيد. وقد يأتي لفظ التوحيد، ويراد به الكثرة، كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس، ومثله: {إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ} [١٠٣/٢].

قوله تعالى: {نَشْراً} قرأ أبو عمرو، وابن كثير، ونافع، {نَشْراً} بضم النون والشين، أرادوا جمع نشور، وهي الريح الطيبة الهبوب، تهب من كل ناحية وجانب. قال أبو عبيدة: النُشُر: المتفرقة من كل جانب. وقال أبو علي: يحتمل أن تكون النشور بمعنى المنشر، وبمعنى المنتشر، وبمعنى الناشر؛ يقال: أنشر اللّه الريح، مثل أحياها، فنشرت، أي: حييت. والدليل على أن إنشار الربح إحياؤها قول الفقعسي: وهبت له ريح الجنوب وأحييت  له ريدة يحيي المياه نسيمها ويدل على ذلك أن الريح قد وصفت بالموت. قال الشاعر:

إني لأرجو أن تموت الريح  فأقعد اليوم وأستريح والريدة

والريدانة: الريح. وقرأ ابن عامر، وعبد الوارث، والحسن البصري: {نَشْراً} بالنون مضمومة وسكون الشين، وهي في معنى {نَشْراً} يقال: كُتُبْ وكُتْب، ورُسُل ورُسْل. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، والمفضل عن عاصم: {نَشْراً} بفتح النون وسكون الشين. قال الفراء: النشر: الريح الطيبة اللينة التي تنشىء السحاب. وقال ابن الانباري: النشر: المنتشرة الواسعة الهبوب. وقال أبو علي: يحتمل النَّشر أن يكون خلاف الطي، كأنها كانت بانقطاعها كالمطوية. ويحتمل أن يكون معناها ما قاله أبو عبيدة في النشر: أنها المتفرقة في الوجوه، ويحتمل أن يكون معناها: النشر الذي هو الحياة، كقول الشاعر:

حتى يقول الناس مما رأوا  يا عجبا للميت الناشر

قال:وهذا هو الوجه. وقرأ أبو رجاء العطاردي، وإبراهيم النخعي، ومسروق، ومورق العجلي: {نَشْراً} بفتح النون والشين. قال ابن القاسم:

وفي النشر وجهان.

احدهما: أن يكون جمعا للنشور، كما قالوا: عمود وعمد، وإهاب وأهب.

والثاني: أن يكون جمعا واحده ناشر، يجري مجرى قوله: غائب وغيب، وحافد وحفد، وكل القراء نون الكلمة. وكذلك اختلافهم في {ٱلْفُرْقَانَ} و{ٱلنَّمْلِ}. هذه قراءات من قرأ بالنون. وقد قرأ آخرون بالباء، فقرأ عاصم إلا المفضل:

{بُشْرىً} بالباء المضمومة وسكون الشين مثل فعلى: قال ابن الانباري: وهي جمع بشيرة، وهي التي تبشر بالمطر، والأصل ضم الشين، إلا أنهم استثقلوا الضمتين. وقرأ ابن خثيم، وابن جذلم: مثله إلا أنهما نونا الراء. وقرأ ابو الجوزاء، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: بضم الباء والشين، وهذا على أنها جمع بشيرة. والرحمة هاهنا: المطر؛ سماه رحمة لأنه كان بالرحمة. و{أَقَلَّتْ} بمعنى: حملت. قال الزجاج: جمع سحابة: السحاب. قال ابن فارس: سمي السحاب لانسحابه في الهواء. قوله تعالى:

{ثِقَالاً} أي: الماء وقوله تعالى:

{سُقْنَـٰهُ} رد الكناية إلى لفظ السحاب، ولفظه لفظ واحد.

وفي قوله لبلد قولان.

احدهما: إلى بلد.

والثاني: لإحياء بلد. والميت: الذي لا ينبت فيه، فهو محتاج إلى المطر.

وفي قوله: {فَأَنزَلْنَا بِهِ} ثلاثة أقوال.

احدها: أن الكناية ترجع إلى السحاب.

والثاني: إلى المطر، ذكرهما الزجاج.

والثالث: إلى البلد، ذكره ابن الانباري. فأما هاء

{فَأَخْرَجْنَا بِهِ} فتحتمل الأقوال الثلاثة. قوله تعالى:

{كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ} أي: كما أحيينا هذا البلد. وقال مجاهد: نحيي الموتى بالمطر كما أحيينا البلد الميت به. قال ابن عباس: يرسل اللّه تعالى بين النفختين مطرا كمني الرجال، فينبت الناس به في قبورهم كما نبتوا في بطون أمهاتهم. قوله تعالى:

{لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} قال الزجاج: لعل: ترج. وإنما خوطب العباد على ما يرجوه بعضهم من بعض؛ والمعنى: لعلكم بما بيناه لكم تستدلون على توحيد اللّه، وأنه يبعث الموتى.

﴿ ٥٧