١٤٤

قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاء مُوسَىٰ لِمِيقَـٰتِنَا} قال الزجاج: أي: للوقت الذي وقتنا له.

{وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} أسمعه كلامه، ولم يكن فيما بينه وبين اللّه عز وجل فيما سمع أحد.

{قَالَ رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ} أي: أرني نفسك.

قوله تعالى: {قَالَ لَن تَرَانِى} تعلق بهذا نفاة الرؤية وقالوا: {لَنْ} لنفي الأبد، وذلك غلط، لأنها قد وردت وليس المراد بها الأبد في قوله:

{وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} ثم أخبر عنهم بتمنيه في النار بقوله:

{وَنَادَوْاْ يٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} ولأن ابن عباس قال في تفسيرها: لن تراني في الدنيا.

وقال غيره: هذا جواب لقول موسى: {أَرِنِى} ولم يرد: أرني في الآخرة، وإنما أراد في الدنيا، فأجيب عما سأل.

وقال بعضهم: لن تراني بسؤالك. وفي هذه الآية دلالة على جواز الرؤية، لأن موسى مع علمه باللّه تعالى، سألها، ولو كانت مما يستحيل لما جاز لموسى أن يسألها، ولا يجوز أن يجهل موسى مثل ذلك، لأن معرفة الأنبياء باللّه ليس فيها نقص، ولأن اللّه تعالى لم ينكر عليه المسألة وإنما منعه من الرؤية، ولو استحالت عليه لقال: {لاَ أَرَى}، ألا ترى أن نوحا لما قال:

{إِنَّ ٱبُنِى مِنْ أَهْلِى} أنكر عليه بقوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}.

ومما يدل على جواز الرؤية أنه علقها باستقرار الجبل، وذلك جائز غير مستحيل، فدل على أنها جائزة، ألا ترى أن دخول الكفار الجنة لما استحال علقه بمستحيل فقال:

{حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمّ ٱلْخِيَاطِ}.

قوله تعالى: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ} أي: ثبت ولم يتضعضع. قوله تعالى:

{فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ} قال الزجاج: ظهر، وبان.

{جَعَلَهُ دَكّا} قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: {دَكّاً} منونة مقصورة هاهنا وفي {ٱلْكَهْفِ}. وقرأ عاصم: {دَكّاً} ها هنا منونة مقصورة، وفي {ٱلْكَهْفِ}: {دَكَّاء} ممدودة غير منونة. وقرأ حمزة، والكسائي: {دَكَّاء} ممدودة غير منونة في الموضعين.

قال أبو عبيدة: {جَعَلَهُ دَكّا} أي: مندكّاً، والدَّك: المستوي؛ والمعنى: مستويا مع وجه الأرض، يقال: ناقة دكَّاء، أي: ذاهبة السنام مستو ظهرها. قال ابن قتيبة: كأن سنامها دك، أي: التصق، قال: ويقال: إن اصل دككت: دققت، فأبدلت القاف كافا لتقارب المخرجين. وقال أنس بن مالك في قوله: {جَعَلَهُ دَكّا}: ساخ الجبل. قال ابن عباس: واسم الجبل: زبير، وهو أعظم جبل بمدين، وإن الجبال تطاولت ليتجلى لها، وتواضع زبير فتجلى له. قوله تعالى:

{وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقًا} فيه قولان.

احدهما: مغشيا عليه، قاله ابن عباس، والحسن، وابن زيد.

والثاني: ميتا، قاله قتادة، ومقاتل. والأول أصح، لقوله:

{فَلَمَّا أَفَاقَ} وذلك لا يقال للميت. وقيل: بقي في غشيته يوما وليلة. قوله تعالى:

{سُبْحَـٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ} فيما تاب منه ثلاثة أقوال.

احدها: سؤاله الرؤية، قاله ابن عباس، ومجاهد.

والثاني: من الإقدام على المسألة قبل الإذن فيها.

والثالث: اعتقاد جواز رؤيته في الدنيا. وفي قوله: {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قولان.

احدهما: أنك لن تُرى في الدنيا، رواه أبو صالح عن ابن عباس.

والثاني: أول المؤمنين من بني إسرائيل، رواه عكرمة عن ابن عباس. قوله تعالى:

{إِنْى ٱصْطَفَيْتُكَ} فتح ياء {إِنّى} ابن كثير، وأبو عمرو. وقرأ ابن كثير، ونافع: {برسالتي}. قال الزجاج: المعنى: اتخذتك صفوة على الناس برسالاتي وبكلامي، ولو كان إنما سمع كلام غير اللّه لما قال:

{ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِي وَبِكَلَـٰمِي} لأن الملائكة تنزل إلى الأنبياء بكلام اللّه.

﴿ ١٤٤