١١١

قوله تعالى: {إِنَّ ٱللّه ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ} سبب نزولها أن الانصار لما بايعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة العقبة وكانوا سبعين رجلا، قال عبد اللّه بن رواحة: يا رسول اللّه اشترط لربك ولنفسك، ما شئت، فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم، قالوا فاذا فعلنا ذلك، فما لنا؟ قال: «الجنة» قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت

{إِنَّ ٱللّه ٱشْتَرَىٰ} الآية، قاله محمد بن كعب القرظي فأما اشتراء النفس، فبالجهاد. وفي اشتراء الأموال وجهان. بالإنفاق: في الجهاد.

والثاني: بالصدقات. وذكر الشراء هاهنا مجاز، لأن المشتري حقيقة هو الذي لا يملك المشترى، فهو كقوله:

{مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللّه} والمراد من الكلام أن اللّه أمرهم بالجهاد بأنفسهم وأموالهم ليجازيهم عن ذلك بالجنة، فعبر عنه بالشراء لما تضمن من عوض ومعوض. وكان الحسن يقول: لا واللّه، إن في الدنيا مؤمن إلا وقد أخذت بيعته. وقال قتادة: ثامنهم واللّه فأغلى لهم. قوله تعالى:

{فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم «فيقتلون» ويقتلون فاعل ومفعول. وقرأ حمزة، والكسائي «فيقتلون ويقتلون» مفعول وفاعل. قال أبو علي: القراءة الأولى بمعنى أنهم يقتلون أولا ويقتلون، والأخرى يجوز أن تكون في المعنى كالأولى، لأن المعطوف بالواو يجوز أن يراد به التقديم؛ فان لم يقدر فيه التقديم، فالمعنى: يقتل من بقي منهم بعد قتل من قتل، كما أن قوله:

{فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ} ما وهن من بقي بقتل من قتل. ومعنى الكلام: إن الجنة عوض عن جهادهم، قتلوا أو قتلوا.

{وَعْدًا عَلَيْهِ} قال الزجاج: نصب «وعدا» بالمعنى، لأن معنى قوله

{بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ}: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا}،قال: وقوله:

{فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ} يدل على أن أهل كل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه الجنة. قوله تعالى:

{وَمَنْ أَوْفَىٰ} أي: لا أحد أوفى بما وعد {مِنَ ٱللّه}

{فَٱسْتَبْشِرُواْ} أي: فافرحوا بهذا البيع.

﴿ ١١١