|
١١٥ قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} في سبب نزولها أربعة أقوال. احدها: أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وعنده أبو جهل، وعبد اللّه بن أبي أمية، فقال أي عم قل معي: لا إله إلا اللّه، أحاج لك بها عند اللّه فقال أبو جهل وابن أبي أمية يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به أنا على ملة عبد المطلب. فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم «لأستغفرن لك مالم أنه عنك» فنزلت {مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} الآية، ونزلت {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ} أخرجه البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث سعيد بن المسيب. عن أبيه وقيل: إنه لما مات أبو طالب، جعل النبي صلى اللّه عليه وسلم يستغفر له، فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قراباتنا، وقد استغفر ابراهيم لأبيه، وهذا محمد يستغفر لعمه؟ فاستغفروا للمشركين، فنزلت هذه الآية. قال أبو الحسين بن المنادي: هذا لا يصح، إنما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم، لعمه «لأستغفرن لك مالم أنه عنك» قبل أن يموت، وهو في السياق فأما أن يكون استغفر له بعد الموت، فلا، فانقلب ذلك على الرواة، وبقي على انقلابه. والثاني: أن النبي صلى اللّه عليه وسلم مر بقبر أمه آمنة، فتوضأ وصلى ركعتين، ثم بكى، فبكى الناس لبكائه، ثم انصرف إليهم، فقالوا: ما الذي أبكاك؟ فقال «مررت بقبر امي فصليت ركعتين، ثم استأذنت ربي أن أستغفر لها، فنهيت، فبكيت، ثم عدت فصليت ركعتين، فاستأذنت ربي أن أستغفر لها، فزجرت زجرا، فأبكاني»، ثم دعا براحلته فركبها؛ فما سار إلا هنيأة، حتى قامت الناقة لثقل الوحي؛ فنزلت {مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} والأية التي بعدها، رواه بريدة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. والثالث: أن رجلا استغفر لأبويه، وكانا مشركين، فقال له علي بن أبي طالب: أتستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال: أولم يستغفر إبراهيم لأبيه، فذكر ذلك علي للنبي صلى اللّه عليه وسلم فنزلت هذه الآية والتي بعدها، رواه أبو الخليل عن علي عليه السلام. والرابع: أن رجالا من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالوا: يا نبي اللّه، إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الرحم، ويفك العاني، ويوفي بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟ فقال: «بلى، واللّه لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه» فنزلت هذه الآية، وبين عذر إبراهيم، قاله قتادة. ومعنى قوله: {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ} أي: من بعد ما بان أنهم ماتوا كفارا. قوله تعالى: {إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} فيه قولان. احدهما: أن إبراهيم وعد أباه الاستغفار، وذلك قوله: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي} وما كان يعلم أن الاستغفار للمشركين محظور حتى أخبره اللّه بذلك. والثاني: أن أباه وعده أنه إن استغفر له آمن؛ فلما تبين لإبراهيم عداوة أبيه للّه تعالى بموته على الكفر، ترك الدعاء له. فعلى الأول، تكون هاء الكناية في «إياه» عائدة على آزر، وعلى الثاني، تعود على إبراهيم. وقرأ ابن السميفع، ومعاذ القارىء، وأبو نهيك: «وعدها أباه» بالباء. وفي الأواه ثمانية أقوال. احدها: أنه الخاشع الدعاء المتضرع، رواه عبد اللّه بن شداد بن الهاد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم. والثاني: أنه الدعاء، رواه زر عن عبد اللّه، وبه قال عبيد بن عمير. والثالث: الرحيم، رواه أبو العبيد بن العامري عن ابن مسعود، وبه قال الحسن، وقتادة، وأبو ميسرة. والرابع: أنه الموقن، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعطاء، وعكرمة، والضحاك. والخامس: أنه المؤمن، رواه العوفي، ومجاهد، وابن أبي طلحة عن ابن عباس. والسادس: أنه المسيح، رواه أبو إسحاق عن أبي ميسرة، وبه قال سعيد ابن المسيب، وابن جبير. والسابع: أنه المتأوه لذكر عذاب اللّه، قاله الشعبي. قال أبو عبيدة: مجاز أواه مجاز فعال من التأوه، ومعناه: متضرع شفقا وفرقا ولزوما لطاعة ربه، قال المثقب: إذا ما قمت أرحلها بليل تأوه آهة الرجل الحزين. والثامن: أنه الفقيه، رواه ابن جريج عن مجاهد. فأما الحليم، فهو الصفوح عن الذنوب. |
﴿ ١١٤ ﴾