|
١٨ قوله تعالى:{أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ} في المراد بالبينة أربعة أقوال. احدها: أنها الدين، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، قاله الضحاك. والثالث: القرآن، قاله ابن زيد. والرابع: البيان، قاله مقاتل. وفي المشار إليه ب «من» قولان. احدهما: أنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، قاله ابن عباس والجمهور. والثاني: أنهم المسلمون، وهو يخرج على قول الضحاك. وفي قوله: {وَيَتْلُوهُ} قولان. احدهما: يتبعه. والثاني: يقرؤه. وفي هاء «يتلوه» قولان. احدهما: أنها ترجع إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم. والثاني: إلى القرآن، وقد سبق ذكره في قوله: {فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [هود ١٣]. وفي المراد بالشاهد ثمانية أقوال. احدها: أنه جبريل، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وإبراهيم في آخرين. والثاني: أنه لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي كان يتلو القرآن، قاله علي بن أبي طالب، والحسن، وقتادة في آخرين. والثالث: أنه علي بن أبي طالب. و «يتلوه» بمعنى يتبعه، رواه جماعة عن علي بن أبي طالب، وبه قال محمد بن علي، وزيد بن علي. والرابع: أنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو شاهد من اللّه تعالى، قاله الحسين بن علي عليه السلام. والخامس: أنه ملك يحفظه ويسدده، قاله مجاهد. والسادس: أنه الإنجيل يتلو القرآن بالتصديق، وإن كان قد أنزل قبله. لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم بشرت به التوراة، قاله الفراء. والسابع: أنه القرآن ونظمه وإعجازه، قاله الحسين بن الفضل. والثامن: أنه صورة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ووجهه ومخايله، لأن كل عاقل نظر إليه علم أنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. وفي «هاء» منه ثلاثة أقوال. احدها: أنها ترجع إلى اللّه تعالى. والثاني: إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم. والثالث: إلى البينة. قوله تعالى: {وَمِن قَبْلِهِ} في هذه الهاء ثلاثة أقوال. احدها: أنها ترجع إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم قاله مجاهد. والثاني: إلى القرآن قاله ابن زيد. والثالث: إلى الإنجيل، أي: ومن قبل الإنجيل {كِتَابُ مُوسَىٰ} يتبع محمدا بالتصديق له، ذكره ابن الأنباري. قال الزجاج: والمعنى: وكان من قبل هذا كتاب موسى دليلا على أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم،فيكون «كتاب موسى» عطفا على قوله: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ} أي: ويتلوه كتاب موسى، لأن موسى وعيسى بشرا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم في التوراة والإنجيل. ونصب «إماما» على الحال. فان قيل: كيف تتلوه التوراة، وهي قبله. قيل: لما بشرت به، كانت كأنها تاليه له، لأنها تبعته بالتصديق له. وقال ابن الأنباري: كتاب موسى، مفعول في المعنى، لأن جبريل تلاه على موسى، فارتفع الكتاب، وهو مفعول بمضمر بعده، تأويله: ومن قبله كتاب موسى كذاك، أي: تلاه جبريل أيضا، كما تقول العرب: أكرمت أخاك وأبوك، فيرفعون الأب وهو مكرم على الاستئناف، بمعنى: وأبوك مكرم أيضا، قال: وذهب قوم إلى أن كتاب موسى فاعل، لأنه تلا محمدا بالتصديق كما تلاه الإنجيل. فصل فتلخيص الآية: أفمن كان على بينة من ربه كمن لم يكن؟ قال الزجاج: ترك المضاد له، لأن في ما بعده دليلا عليه، وهو قوله: {مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلاْعْمَىٰ وَٱلاْصَمِّ} [هود ٢٤] وقال ابن قتيبة: لما ذكر قبل هذه الآية قوما ركنوا إلى الدنيا، جاء بهذه الآية، وتقدير الكلام: أفمن كانت هذه حاله كمن يريد الدنيا؟ فاكتفى من الجواب بما تقدم، إذ كان فيه دليل عليه. وقال ابن الأنباري: إنما حذف لانكشاف المعنى، والمحذوف المقدر كثير في القرآن والشعر، قال الشاعر: فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا فإن قلنا: إن المراد بمن كان على بينة ربه، رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فمعنى الآية: ويتبع هذا النبي شاهد، وهو جبريل عليه السلام. «منه» أي: من اللّه. وقيل: «شاهد» هو علي بن أبي طالب، {مِنْهُ} أي: من النبي صلى اللّه عليه وسلم. وقيل: «يتلوه» يعني القرآن، يتلوه جبريل، وهو شاهد لمحمد صلى اللّه عليه وسلم أن الذي يتلوه جاء من عند اللّه تعالى. وقيل: ويتلو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم القرآن وهو شاهد من اللّه. وقيل ويتلو لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم القرآن، فلسانه شاهد منه. وقيل: ويتبع محمدا شاهد له بالتصديق وهو الإنجيل من اللّه تعالى وقيل ويتبع هذا النبي شاهد من نفسه، وهو سمته وهديه الدال على صدقه. وإن قلنا: إن المراد بمن كان على بينة من ربه المسلمون، فالمعنى: أنهم يتبعون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو البينة، ويتبع هذا النبي شاهد له بصدقه. قوله تعالى: {إَمَامًا وَرَحْمَةً} إنما سماه إماما، لأنه كان يهتدى به، «ورحمة» أي: وذا رحمة، وأراد بذلك التوراة، لأنها كانت إماما وسببا لرحمة من آمن بها. قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ} فيه ثلاثة أقوال. احدها: أنه إشارة إلى أصحاب موسى. والثاني: إلى أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم. والثالث: إلى أهل الحق من أمة موسى وعيسى ومحمد. وفي هاء {بِهِ} ثلاثة اقوال. احدها: أنها ترجع إلى التوراة والثاني إلى القرآن. والثالث: إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم. وفي المراد بالأحزاب هاهنا أربعة أقوال. احدها: جميع الملل، قال سعيد بن جبير. والثاني: اليهود والنصارى، قاله قتادة. والثالث: قريش، قاله السدي. والرابع: بنو أمية، وبنو المغيرة بن عبد اللّه المخزومي، وآل أبي طلحة بن العزي، قاله مقاتل. قوله تعالى: {فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} أي إليها مصيره، قال حسان بن ثابت: أوردتموها حياض الموت ضاحية فالنار موعدها والموت لا قيها قوله تعالى: {فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ} قرأ الحسن، وقتادة: {مِرْيَةٍ} بضم الميم أين وقع. وفي المكني عنه قولان. احدهما: أنه الإخبار بمصير الكافر به، فالمعنى: فلا تك في شك أن موعد المكذب به النار، وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنه القرآن، فالمعنى: فلا تك في شك من أن القرآن من اللّه تعالى، قاله مقاتل. قال ابن عباس: والمراد بالناس هاهنا: أهل مكة. قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبّهِمْ} قال الزجاج: ذكر عرضهم توكيدا لحالهم في الانتقام منهم، وإن كان غيرهم يعرض أيضا. فأما {ٱلاْشْهَـٰدُ} ففيهم خمسة أقوال. احدها: أنهم الرسل، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: الملائكة، قاله مجاهد، وقتادة. والثالث: الخلائق، روي عن قتادة ايضا. وقال مقاتل: {ٱلاْشْهَـٰدُ} الناس كما يقال: على رؤوس الأشهاد، أي: على رؤوس الناس. والرابع: الملائكة والنبيون وأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم يشهدون على الناس، والجوارح تشهد على ابن آدم، قاله ابن زيد. والخامس: الأنبياء والمؤمنون، قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: وفائدة إخبار الأشهاد بما يعلمه اللّه: تعظيم بالأمر المشهود عليه، ودفع المجاحدة فيه. |
﴿ ١٨ ﴾