٢٤

قوله تعالى: {لاَ جَرَمَ} قال ابن عباس: يريد: حقا إنهم الأخسرون. وقال الفراء: لا {جَرَمَ} كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة، فجرت على ذلك، وكثر استعمالهم إياها حتى صارت بمنزلة {حَقّاً} ألا ترى أن العرب تقول: لا جرم لآتينك، لا جرم لقد أحسنت، وأصلها من جرمت، أي: كسبت الذنب. قال الزجاج: ومعنى «لا جرم» لا نفي لما ظنوا أنه ينفعهم، كأن المعنى: لا ينفعهم ذلك جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون، أي: كسب لهم ذلك الفعل الخسران. وذكر ابن الأنباري أن {لا} رد على أهل الكفر فيما قدروه من اندفاع الشر عنهم في الآخرة، والمعنى: لا يندفع عنهم عذابي، ولا يجدون وليا يصرف عنهم نقمتي،

ثم ابتدأ مستأنفا {جَرَمَ} قال: وفيها قولان.

احدهما: أنها بمعنى: كسب كفرهم وما قدروا من الباطل وقوع العذاب بهم. ف {جَرَمَ} فعل ماض، معناه: كسب وفاعله مضمر فيه من ذكر الكفر وتقرير الباطل.

والثاني: أن معنى جرم: أحق وصحح، وهو فعل ماض، وفاعله مضمر فيه، والمعنى: أحق كفرهم وقوع العذاب والخسران بهم،

قال الشاعر:

ولقد طعنت أبا عيينة طعنة  جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا

أراد: حقت الطعنة فزارة بالغضب ومن العرب من يغير لفظ «جرم» مع {لا} خاصة فيقول بعضهم: {لاَ جَرَمَ} ويقول آخرون: {لاَ جَرَمَ} باسقاط الميم، ويقال:

{لاَ جَرَمَ} و {لاذا جر} بغير ميم، و {لاَ ٱنفِصَامَ ذَا جَرَمَ} و {لا عَن ذٰلِكَ جَرَمَ} ومعنى اللغات كلها: حقا. قوله تعالى:

{وَأَخْبَتُواْ إِلَىٰ رَبّهِمْ} فيه سبعة أقوال.

احدها: خافوا ربهم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس.

والثاني: أنابوا إلى ربهم، رواه العوفي عن ابن عباس.

والثالث: ثابوا إلى ربهم، قاله قتادة.

والرابع:اطمأنوا، قاله مجاهد.

والخامس: أخلصوا، قاله مقاتل.

والسادس: تخشعوا لربهم، قاله الفراء.

والسابع: تواضعوا لربهم، قاله ابن قتيبة.

فان قيل: لم أوثرت {إِلَىٰ} على اللام في قوله

{وَأَخْبَتُواْ إِلَىٰ رَبّهِمْ} والعادة جارية بأن يقال: أخبتوا لربهم؟

فالجواب: أن المعنى: وجهوا خوفهم وخشوعهم وإخلاصهم إلى ربهم، واطمأنوا إلى ربهم. قال الفراء: وربما جعلت العرب {إِلَىٰ} في موضع اللام، كقوله: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} [الزلزال ٥] وقوله: {ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا} [الأعراف ٤٣] وقد يجوز في العربية: فلان يخبت إلى اللّه، يريد: يفعل ذلك موجهه إلى اللّه. قال بعض المفسرين: هذه الآية نازلة في أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وما قبلها نازل في المشركين. ثم ضرب للفريقين مثلا، فقال:

{مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلاْعْمَىٰ وَٱلاْصَمِّ} قال مجاهد: الفريقان: المؤمن والكافر. فأما الأعمى والأصم فهو الكافر، وأما البصير والسميع فهو المؤمن. قال قتادة: الكافر عمي عن الحق وصم عنه، والمؤمن أبصر الحق وسمعه ثم انتفع به. وقال أبو عبيدة: في الكلام ضمير، تقديره: مثل الفريقين كمثل الأعمى. وقال الزجاج: مثل الفريقين المسلمين كالبصير والسميع، ومثل فريق الكافرين كالأعمى والأصم، لأنهم في عداوتهم وتركهم للفهم بمنزلة من لايسمع ولا يبصر. قوله تعالى:

{هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} أي: هل يستويان في المشابهة؟ والمعنى: كما لا يستويان عندكم، كذلك لا يستوي المؤمن والكافر عند اللّه. وقال أبو عبيدة: {هَلُ} هاهنا بمعنى الإيجاب، لا بمعنى الاستفهام، والمعنى: لا يستويان.

قال الفراء: وإنما لم يقل: {يَسْتَوُونَ} لأن الأعمى والأصم من يظن سعيد وابن عمرو بأنني  إذا سامني ذلا أكون به أرضى فنسق ابن عمرو على سعيد وهو سعيد.

﴿ ٢٤