٤٧

قوله تعالى: {وقيل يٰأَرْضُ ٱبْلَعِى} وقف قوم على ظاهر الآية، وقالوا: إنما ابتلعت ما نبع منها، ولم تبتلع ماء السماء، فصار ذلك بحارا وأنهارا، وهو معنى قول ابن عباس. وذهب آخرون إلى أن المراد: ابلعي ماءك الذي عليك، وهو ما نبع من الأرض ونزل من السماء، وذلك بعد أن غرق ما على وجه الأرض. قوله تعالى:

{مَاءكِ وَيٰسَمَاء أَقْلِعِى} أي: أمسكي عن إنزال الماء. قال ابن الأنباري: لما تقدم ذكر الماء، علم أن المعنى: أقلعي عن إنزال الماء. قوله تعالى:

{وَغِيضَ ٱلْمَاء} أي: نقص. قال الزجاج: يقال: غاض الماء يغيض: إذا غاب في الأرض. ويجوز إشمام الضم في الغين. قوله تعالى:

{وَقُضِىَ ٱلاْمْرُ} قال ابن عباس: غرق من غرق، ونجا من نجا. وقال مجاهد: قضي الأمر: هلاك قوم نوح. وقال ابن قتيبة: «وقضي الأمر» أي: فرغ منه. قال ابن الأنباري: والمعنى: أحكمت هلكة قوم نوح، فلما دلت القصة على ما يبين هلكتهم، أغنى عن نعت الأمر. قوله تعالى:

{وَٱسْتَوَتْ} يعني السفينة {عَلَى ٱلْجُودِىّ} وهو اسم جبل. وقرأ الأعمش، وابن أبي عبلة: {عَلَى ٱلْجُودِىّ} بسكون الياء. قال ابن الأنباري: وتشديد الياء في {ٱلْجُودِىّ} لأنها ياء النسبه، فهي كالياء في علوي، وهاشمي. وقد خففها بعض القراء. ومن العرب من يخفف ياء النسبه، فيسكنها في الرفع، والخفض، ويفتحها في النصب، فيقول: قام زيد العلوي، ورأيت زيدا العلوي. قال ابن عباس: درات السفينة بالبيت أربعين يوما، ثم وجهها اللّه إلى الجودي فاستقرت عليه.

واختلفوا أين هذا الجبل على ثلاثة أقوال.

احدها: أنه بالموصل، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الضحاك.

والثاني: بالجزيرة، قاله مجاهد، وقتادة. وقال مقاتل: هو بالجزيرة قريب من الموصل.

والثالث: أنه بناحية آمد، قاله الزجاج.

وفي علة استوائها عليه قولان.

احدهما: أنه لم يغرق، لأن الجبال تشامخت يومئذ وتطاولت، وتواضع هو فلم يغرق، فأرست عليه، قاله مجاهد.

والثاني: لما قل الماء أرست عليه، فكان استواؤها عليه دلالة على قلة الماء. قوله تعالى:

{وقيل بُعْدًا لّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} قال ابن عباس: بعدا من رحمة اللّه للقوم الكافرين.

فان قيل: ما ذنب من أغرق من البهائم والأطفال؟

فالجواب: أن آجالهم حضرت، فأميتوا بالغرق، قاله الضحاك، وابن جريج. قوله تعالى:

{رَبّ إِنَّ ٱبُنِى مِنْ أَهْلِى} إنما قال نوح، هذا لأن اللّه تعالى وعده نجاة أهله، فقال:

{وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَـٰكِمِينَ} قال ابن عباس: أعدل العادلين. وقال ابن زيد: فأنت أحكم الحاكمين بالحق.

واختلفوا في هذا الذي سأل فيه نوح على قولين.

احدهما: أنه ابن نوح لصلبه، قاله ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، والجمهور.

والثاني: أنه ولد على فراشه من لغير رشدة ولم يكن ابنه. روى ابن الأنباري باسناده عن الحسن أنه قال: لم يكن ابنه، إن امرأته فجرت. وعن الشعبي قال: لم يكن ابنه، إن امرأته خانته، وعن مجاهد نحو ذلك وقال ابن جريج: ناداه نوح وهو يحسب أنه ابنه، وكان ولد على فراشه فعلى القول الأول، يكون في معنى قوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} قولان.

احدهما: ليس من أهل دينك.

والثاني: ليس من أهلك الذين وعدتك نجاتهم. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط وإنما المعنى، ليس من أهلك الذين وعدتك نجاتهم. وعلى القول الآخر: الكلام على ظاهره، والأول أصح، لموافقته ظاهر القرآن، ولاجتماع الأكثرين عليه، وهو أولى من رمي زوجة نبي بفاحشة. قوله تعالى:

{إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ} قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة: {إِنَّهُ عَمَلٌ} رفع منون {غَيْرُ صَـٰلِحٍ} برفع الراء وفيه قولان.

احدهما: أنه يرجع إلى السؤال فيه، فالمعنى: سؤلك إياي فيه عمل غير صالح، قاله ابن عباس، وقتادة، وهذا ظاهر، لأنه قد تقدم السؤال فيه

في قوله: {رَبّ إِنَّ ٱبُنِى مِنْ أَهْلِى} فرجعت الكناية إليه.

والثاني: أنه يرجع إلى المسؤول فيه. وفي هذا المعنى قولان.

احدهما: أنه لغير رشدة قاله الحسن.

والثاني: أن المعنى: إنه ذو عمل غير صالح، قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: من قال: هو لغير رشدة، قال: المعنى: إن أصل أبنك الذي تظن أنه أبنك عمل غير صالح. ومن قال: إنه ذو عمل غير صالح، قال: حذف المضاف، وأقام العمل مقامه، كما تقول العرب: عبد اللّه إقبال وأدبار، أي: صاحب إقبال وأدبار. وقرأ الكسائي: {عَمَلٍ} بكسر الميم وفتح اللام {غَيْرُ صَـٰلِحٍ} بفتح الراء، يشير إلى أنه مشرك. قوله تعالى:

{فَلاَ تَسْأَلْنى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}

قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: {فَلاَ تَسْأَلْنى} بفتح اللام، وتشديد النون، غير أن نافعا، وابن عامر، كسرا النون، وفتحها ابن كثير، وحذفوا الياء في الوصل والوقف. وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، بسكون اللام وتخفيف النون، غير أن أبا عمرو، وأبا جعفر، أثبتا الياء في الوصل، وحذفاها في الوقف، ووقف عليها يعقوب بالياء، والباقون يحذفونها في الحالين. قال أبو علي: من كسر النون،

فقد عدى السؤال إلى مفعولين.

احدهما: اسم المتكلم، والآخر: الآسم الموصول، وحذفت النون المتصلة بياء المتكلم لاجتماع النونات. وأما إثبات الياء في الوصل فهو الأصل، وحذفها أخف، والكسرة تدل عليها، وتعلم أن المفعول مراد في المعنى.

ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال.

احدها: أنه نسبته إليه، وليس منه.

والثاني: في إدخاله إياه في جملة أهله الذين وعده نجاتهم.

والثالث: سؤاله في إنجاء كافر من العذاب.

قوله تعالى: {إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ} فيه ثلاثة أقوال.

احدها: أن تكون من الجاهلين في سؤالك من ليس من حزبك.

والثاني: من الجاهلين بوعدي، لأني وعدت بانجاء المؤمنين.

والثالث: من الجاهلين بنسبك، لأنه ليس من أهلك.

﴿ ٤٧