|
٢٤ قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} الهم بالشيء في كلام العرب: حديث المرء نفسه بمواقعته مالم يواقع. فأما هم أزليخا، فقال المفسرون: دعته إلى نفسها واستلقت له. واختلفوا في همه بها على خمسة أقوال. احدها: أنه كان من جنس همها، فلولا أن اللّه تعالى عصمه لفعل، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسدي، وهو قول عامة المفسرين المتقدمين، واختاره من المتاخرين جماعة منهم ابن جرير، وابن الأنباري. وقال ابن قتيبة: لا يجوز في اللغة: هممت بفلان، وهم بي، وأنت تريد: اختلاف الهمين. واحتج من نصر هذا القول بأنه مذهب الأكثرين من السلف والعلماء الأكابر، ويدل عليه ما سنذكره من أمر البرهان الذي رآه. قالوا: ورجوعه عما هم به من ذلك خوفا من اللّه تعالى يمحو عنه سيء الهم، ويوجب له علو المنازل، ويدل على هذا الحديث الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: أن ثلاثة خرجوا فلجؤوا إلى غار، فانطبقت عليهم صخرة، فقالوا: ليذكر كل واحد منكم أفضل عمله. فقال أحدهم: اللّهم إنك تعلم أنه كانت لي بنت عم فراودتها عن نفسها فأبت إلا بمائة دينار، فلما أتيتها بها وجلست منها مجلس الرجل من المرأة، أرعدت وقالت: إن هذا لعمل ما عملته قط، فقمت عنها وأعطيتها المائة الدينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا، فزال ثلث الحجر. والحديث معروف، وقد ذكرته في «الحدائق» فعلى هذا نقول: إنما همت، فترقت همتها إلى العزيمة، فصارت مصرة على الزنا. فأما هو، فعارضه ما يعارض البشر من خطرات القلب، وحديث النفس، من غير عزم، فلم يلزمه هذا الهم ذنبا، فإن الرجل الصالح قد يخطر بقلبه وهو صائم شرب الماء البارد، فإذا لم يشرب لم يؤاخذ بما هجس في نفسه، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم. «عفي لأمتي عما حدثت به أنفسها مالم تتكلم أو تعمل» وقال صلى اللّه عليه وسلم «هلك المصرون» وليس الإصرار إلا عزم القلب، فقد فرق بين حديث النفس وعزم القلب. وسئل سفيان الثوري: أيؤاخذ العبد بالهمة؟ فقال: إذا كانت عزما، ويؤيده الحديث الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: «يقول اللّه تعالى إذا هم عبدي بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها عليه سيئة» واحتج القاضي أبو يعلى على أن همته لم تكن من جهة العزيمة، وإنما كانت من جهة دواعي الشهوة بقوله: «قال معاذ اللّه إنه ربي» وقوله: «كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء» وكل ذلك إخبار ببراءة ساحتة من العزيمة على المعصية. فان قيل: فقد سوى القرآن بين الهمتين، فلم فرقتم؟ فالجواب: أن الاستواء وقع في بداية الهمة، ثم ترقت همتها إلى العزيمة، بدليل مراودتها واستلقائها بين يديه، ولم تتعد همته مقامها، بل نزلت عن رتبتها، وانحل معقودها، بدليل هربه منها، وقوله: «معاذ اللّه». وعلى هذا تكون همته مجرد خاطر لم يخرج إلى العزم. ولا يصح ما يروى عن المفسرين أنه حل السراويل وقعد منها مقعد الرجل، فإنه لو كان هذا، دل على العزم، والأنبياء معصومون من العزم على الزنا. والقول الثاني: أنها همت به أن يفترشها، وهم بها، أي: تمناها أن تكون له زوجة، رواه الضحاك عن ابن عباس. والقول الثالث: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره: ولقد همت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها، فلما رأى البرهان، لم يقع منه الهم، فقدم جواب «لولا» عليها، كما يقال: قد كنت من الهالكين، لولا أن فلانا خلصك، لكنت من الهالكين، ومنه قول الشاعر: فلا يدعني قومي صريحا لحرة لئن كنت مقتولا وتسلم عامر أراد: لئن كنت مقتولا وتسلم عامر، فلا يدعني قومي، فقدم الجواب. وإلى هذا القول ذهب قطرب، وأنكره قوم، منهم ابن الأنباري، وقالوا: تقديم جواب «لولا» عليها شاذ مستكره، لا يوجد في فصيح كلام العرب، فأما البيت المستشهد به، فمن اضطرار الشعراء، لأن الشاعر يضيق الكلام به عند اهتمامه بتصحيح أجزاء شعره، فيضع الكلمة في غير موضعها، ويقدم ما حكمه التأخير، ويؤخر ما حكمه التقديم، ويعدل عن الاختيار إلى المستقبح للضرورة، قال الشاعر: جزى ربه عني عدي بن حاتم بتركي وخذلاني جزاء موفرا تقديره: جزى عني عدي بن حاتم ربه، فاضطره إلى تقديم الرب، وقال الآخر: لما جفا إخوانه مصعبا أدى بذلك البيع صاعا بصاع أراد: لما جفا مصعبا إخوانه، وأنشد الفراء: طلبا لعرفك يا ابن يحيى بعدما تتقطعت بي دونك الأسباب فزاد تاء على «تقطعت» لا أصل لها ليصلح وزن شعره، وأنشد ثعلب: إن شكلي وإن شكلك شتى فالزمي الخفض وانعمي تبيضضي فزاد ضادا لا أصل لها لتكمل أجزاء البيت، وقال الفرزدق: هما تفلا في في من فمويهما على النابح العاوي أشد لجاميا فزاد واوا بعد الميم ليصلح شعره. ومثل هذه الأشياء لا يحمل عليها كتاب اللّه النازل بالفصاحة، لأنها من ضرورات الشعراء. والقول الرابع: أنه هم أن يضربها ويدفعها عن نفسه، فكان البرهان الذي رآه من ربه أن اللّه أوقع في نفسه إن ضربها كان ضربه كان ضربه إياها حجة عليه، لأنها تقول: راودني فمنعته فضربني، ذكره ابن الأنباري. والقول الخامسس: أنه هم بالفرار منها، حكاه الثعلبي، وهو قول مرذول، أفتراه أراد الفرار منها، فلما رأى البرهان، أقام عندها؟ٰ قال بعض العلماء: كان هم يوسف خطيئة من الصغائر الجائزة على الأنبياء، وإنما ابتلاهم بذلك ليكونوا على خوف منه، وليعرفهم مواقع نعمته في الصفح عنهم، وليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء الرحمة. قال الحسن: إن اللّه تعالى لم يقصص عليكم ذنوب الأنبياء تعبيرا لهم، ولكن لئلا تقنطوا من رحمته. يعني الحسن: أن الحجة للأنبياء ألزم، فإذا قبل التوبة منهم، كان إلى قولها منكم أسرع. وروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. أنه قال: «ما من أحد يلقى اللّه تعالى إلا وقد هم بخطيئة أو عملها إلى يحيى بن زكريا فإنه لم يهم ولم يعملها». قوله تعالى: {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ} جواب «لولا» محذوف. قال الزجاج: المعنى: لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما هم به. قال ابن الأنباري: لزنا، فلما رأى البرهان كان سبب انصراف الزنا عنه. وفي البرهان ستة أقوال. احدها: أنه مثل له يعقوب. روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: نودي يا يوسف، أتزني فتكون مثل الطائر الذي نتف ريشه فذهب يطير فلم يستطع؟ فلم يعط على النداء شيئا، فنودي الثانية، فلم يعط على النداء شيئا، فتمثل له يعقوب فضرب صدره، فقام، فخرجت شهوته من أنامله. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: رأى صورة أبيه يعقوب في وسط البيت عاضا على أنامله، فأدبر هاربا، وقال: وحقك يا أبت لا أعود أبدا. وقال أبو صالح عن ابن عباس: رأى مثال يعقوب في الحائط عاضا على شفتيه. وقال الحسن: مثل له جبريل في صورة يعقوب في سقف البيت عاضا على إبهامه أو بعض أصابعه.وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، وابن سيرين، والضحاك في آخرين. وقال عكرمة: كل ولد يعقوب، قد ولد له اثنا عشر ولدا، إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولدا، فنقص بتلك الشهوة ولدا. والثاني: أنه جبريل عليه السلام. روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس. قال: مثل له يعقوب فلم يزدجر، فنودي: أتزني فتكون مثل الطائر نتف ريشه؟ٰ فلم يزدجر حتى ركضه جبريل في ظهره، فوثب. والثالث: أنها قامت إلى صنم في زاوية البيت فسترته بثوب، فقال لها يوسف: أي شيء تصنعين؟ قالت: استحي من إلهي هذا أن يراني على هذه السوأة، فقال: أتستحين من صنم لا يعقل ولا يسمع، ولا أستحي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت؟ فهو البرهان الذي رأى، قاله علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين، والضحاك. والرابع: أن اللّه بعث إليه ملكا، فكتب في وجه المرأة بالدم: {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً} قاله الضحاك عن ابن عباس. وروي عن محمد ابن كعب القرظي: أنه رأى هذه الآية مكتوبة بين عينيها، وفي رواية أخرى عنه، أنه رآهامكتوبة في الحائط. وروى مجاهد عن ابن عباس قال: بدت فيما بينهما كف ليس فيها عضد ولا معصم، وفيها مكتوب {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً} [الاسراء ٣٢]، فقام هاربا، وقامت، فلما ذهب عنها الرعب عادت وعاد، فلما قعد إذا بكف قد بدت فيما بينهما فيها مكتوب {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللّه} [البقرة ٢٨١]، فقام هاربا، فلما عاد، قال اللّه تعالى لجبرئيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة، فانحط جبريل عاضا على كفه أو أصبعه وهو يقول: يا يوسف، أتعمل عمل السفهاءوأنت مكتوب عند اللّه في الأنبياء؟ٰ وقال وهب بن منبه: ظهرت تلك الكف وعليها مكتوب بالعبرانية {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}، فانصرفا، فلما عادا رجعت وعليها مكتوب {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ كِرَاماً كَـٰتِبِينَ} [الأنفطار ١١ ١٢] فانصرفا، فلما عادا عادت وعليها مكتوب {وَلاَ تَقْرَبُواْ} الآية، فعاد، فعادت الرابعة وعليها مكتوب {تَعْلَمُونَ وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللّه}، فولى يوسف هاربا. الخامس: أنه سيده العزيز دنا من الباب، رواه ابن إسحاق عن بعض أهل العلم. وقال ابن إسحاق: يقال:إن البرهان خيال سيده، رآه عند الباب فهرب. والسادس: أن البرهان أنه علم ما أحل اللّه مما حرم اللّه، فرأى تحريم الزنا، روي عن محمد بن كعب القرظي، قال ابن قتيبة: رأى حجة اللّه عليه، وهي البرهان، وهذا هو القول الصحيح، وما تقدمه فليس بشيء، وإنما هي أحاديث من أعمال القصاص، وقد أشرت إلى فسادها في كتاب «المغني في التفسير» وكيف يظن بنبي للّه كريم أنه يخوف ويرعب ويضطر إلى ترك هذه المعصية وهو مصر؟ٰ هذا غاية القبح. قوله تعالى: {كَذٰلِكَ} أي: كذلك أريناه البرهان {لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوء} وهو خيانة صاحبه {وَٱلْفَحْشَاء} ركوب الفاحشة {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر بكسر اللام، والمعنى: إنه من عبادنا الذين أخلصوا دينهم. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بفتح اللام، أرادوا: من الذين أخلصهم اللّه من الأسواء والفواحش. وبعض المفسرين يقول: السوء: الزنى، والفحشاء: المعاصي. |
﴿ ٢٤ ﴾