٢٧

قوله تعالى: {إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} قد ذكرناه في سورة [البقرة ١٦٣]. قوله تعالى:

{فَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلاْخِرَةِ} أي: بالبعث والجزاء

{قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ} أي: جاحدة لا تعرف التوحيد {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} أي: ممتنعون من قبول الحق. قوله تعالى:

{لاَ جَرَمَ} قد فسرناه في [هود ٢٢] ومعنى الآية: أنه يجازيهم بسرهم وعلنهم، لأنه يعلمه. والمستكبرون: المتكبرون عن التوحيد والإيمان. وقال مقاتل: «ما يسرون» حين بعثوا في كل طريق من يصد الناس عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، «وما يعلنون» حين أظهروا العداوة لرسول اللّه. قوله تعالى:

{وَإِذَا قيل لَهُمْ} يعني: المستكبرين

{مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ} على محمد صلى اللّه عليه وسلم؟ قال الزجاج: «ماذا» بمعنى «مالذي» و {أَسَـٰطِيرُ ٱلاْوَّلِينَ} مرفوعة على الجواب، كأنهم قالوا: الذي أنزل: أساطير الأولين، أي: الذي تذكرون أنتم أنه منزل: أساطير الأولين. وقد شرحنا معنى الأساطير في {ٱلاْنْعَـٰمِ}. قال مقاتل: الذين بعثهم الوليد بن المغيرة في طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان، ويقول بعضهم: إن محمدا ساحر، ويقول بعضهم: شاعر، وقد شرحنا هذا المعنى في {ٱلْحَجَرَ} في ذكر المقتسمين. قوله تعالى:

{لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ} هذة لام العاقبة، وقد شرحناهافي غير موضع، والأوزار: الاثام، وإنما قال: كاملة، لأنه لم يكفر منها شيء بما يصيبهم من نكبة، أو بلية، كما يكفر عن المؤمن،

{وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: أنهم أضلوهم بغير دليل، وإنما حملوا من اوزار الأتباع، لأنهم كانوا رؤساء يقتدى بهم في الضلالة،

وقد ذكر ابن الأنباري في «مِن» وجهين.

احدهما: أنها للتبعيض، فهم يحملون ما شركوهم فيه، فأما ما ركبه أولئك باختيارهم من غير تزيين هؤلاء، فلا يحملونه، فيصح معنى التبعيض.

والثاني: أن «مِن» مؤكدة، والمعنى: وأوزار الذين يضلونهم.

{أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ} أي: بئس ماحملوا على ظهورهم. قوله تعالى:

{قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} قال المفسرون: يعني به: النمرود ابن كنعان، وذلك أنه بنى صرحا طويلا.

واختلفوا في طوله، فقال ابن عباس: خمسة آلاف ذراع، وقال مقاتل: كان طوله فرسخين، قالوا: ورام أن يصعد إلى السماء ليقاتل أهلها بزعمه. ومعنى «المكر» هاهنا: التدبير الفاسد.

وفي الهاء والميم من «قبلهم» قولان.

احدهما: أنها للمقتسمين على عقاب مكة، قاله ابن السائب.

والثاني: لكفار مكة، قاله مقاتل. قوله تعالى:

{فَأَتَى ٱللّه بُنْيَـٰنَهُمْ مّنَ ٱلْقَوَاعِدِ} أي: من الأساس.

قال المفسرون: أرسل اللّه ريحا فألقت رأس الصرح في البحر، وخر عليهم الباقي.قال السدي: لما سقط الصرح، تبلبلت ألسن الناس من الفزع، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا، فلذلك سميت «بابل»، وإنما كان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، وهذا قول مردود، لأن التبلبل يوجب الاختلاط والتكلم بشيء غير مستقيم، فأما أن يوجب إحداث لغة مضبوطة الحواشي، فباطل، وإنما اللغات تعليم من اللّه تعالى.

فان قيل: إذا كان الماكر واحدا، فكيف قال: «الذين» ولم يقل: «الذي»؟ فعنه ثلاثة أجوبة.

احدها: أنه كان الماكر ملكا له أتباع، فأدخلوا معه في الوصف.

والثاني: أن العرب توقع الجمع على الواحد، فيقول قائلهم: خرجت إلى البصرة على البغال، وإنما خرج على بغل واحد.

والثالث: أن «الذين» غير موقع على واحد معين، لكنه يراد به: قد مكر الجبارون الذين من قبلهم، فكان عاقبة مكرهم رجوع البلاء عليهم، ذكر هذه الأجوبة ابن الأنباري: قال: وذكر بعض العلماء: أنه إنما قال: «من فوقهم»، لينبه على أنهم كانوا تحته،إذ لو لم يقل ذلك، لاحتمل أنهم لم يكونوا تحته، لأن العرب تقول: سقط علينا البيت، وخر علينا الحانوت، وتداعت علينا الدار، وليسوا تحت ذلك. قوله تعالى:

{وَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} أي: من حيث ظنوا أنهم آمنون فيه. قال السدي: أخذوا من مأمنهم. وروى عطية عن ابن عباس قال: خر عليهم عذاب من السماء. وعامة المفسرين على ما حكيناه من أنه بنيان سقط. وقال ابن قتيبة: هذا مثل، والمعنى: أهلكهم اللّه، كما هلك من هدم مسكنه من أسفله، فخر عليه. قوله تعالى:

{ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ} أي: يذلهم بالعذاب.

{وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِىَ} قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، «شركائي» الذين بهمزة وفتح الياء، وقال البزي عن ابن كثير: «شركاي» مثل: هداي، والمعنى: أين شركائي على زعمكم؟ هلا دفعوا عنكمٰ.

{ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰقُّونَ فِيهِمْ} أي: تخالفون المسلمين فتعبدونهم وهم يعبدون اللّه، وقرأ نافع: «تشاقون» بكسر النون، أراد: تشاقونني، فحذف النون الثانية، وأبقى الكسرة تدل عليها، والمعنى: كنتم تنازعونني فيهم، وتخالفون أمري لأجلهم. قوله تعالى:

{قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} فيهم ثلاثة أقوال.

احدها: أنهم الملائكة، قاله ابن عباس.

والثاني: الحفظة من الملائكة، قاله مقاتل.

والثالث: أنهم المؤمنون.فأما «الخزي» فقد شرحناه في مواضع [آل عمران ١٩٢] و «السوء» هاهنا: العذاب.

﴿ ٢٧