٣٧

قوله تعالى: {يَسْتَهْزِءونَ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} يعني: كفار مكة

{لَوْ شَآء ٱللّه مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء} يعني: الأصنام أي لو شاء ما أشركنا ولا حرمنا من دونه من شيء من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، والحرث، وذلك أنه لما نزل {تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللّه} [الدهر ٣٠] قالوا هذا، على سبيل الاستهزاء، لا على سبيل الاعتقاد، وقيل: معنى كلامهم: لو لم يأمرنا بهذا ويرده منا، لم نأته. قوله تعالى:

{كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: من تكذيب الرسل وتحريم ما أحل اللّه،

{فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ} يعني: ليس عليهم إلا التبليغ، فأما الهداية، فهي إلى اللّه تعالى، وبين ذلك بقوله:

{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً} أي: كما بعثناك في هؤلاء

{أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللّه} أي: وحدوه {وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ} وهو الشيطان

{فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللّه} أي: أرشده

{وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ} أي: وجبت في سابق علم اللّه، فأعلم اللّه عز وجل أنه إنما بعث الرسل بالأمر بالعبادة، وهو من وراء الإضلال والهداية،

{فَسِيرُواْ فِى ٱلاْرْضِ} أي: معتبرين بآثار الأمم المكذبة. ثم أكد أن من حقت عليه الضلالة لا يهتدي، فقال:

{إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ} أي: [إن] تطلب هداهم بجهدك

{فَإِنَّ ٱللّه لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وابن عامر، «لا يُهدَى» برفع الياء وفتح الدال، والمعنى: من أضله، فلا هادي له، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «يَهدِي» بفتح الياء وكسر الدال، ولم يختلفوا في {يُضِلَّ} أنها بضم الياء وكسر الضاد، وهذه القراءة تحتمل معنيين، ذكرهما ابن الأنباري.

احدهما: لا يهدي من طبعه ضالا، وخلقه شقيا.

والثاني: لا يهدي أي: لا يهتدي من أضله، أي من أضله اللّه لا يهتدي، فيكون معنى يهدي: يهتدي، تقول العرب: قد هدي فلان الطريق، يريدون: اهتدى.

﴿ ٣٧