٤٢

قوله تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللّه جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ} سبب نزولها أن رجلا من المسلمين كان له على رجل من المشركين دين، فأتاه يتقاضاه، فكان فيما تكلم به: والذي أرجوه بعد الموت، فقال المشرك: وإنك لتزعم أنك تبعث بعد الموت؟ فأقسم باللّه

{لاَ يَبْعَثُ ٱللّه مَن يَمُوتُ}، فنزلت هذه الآية، قاله أبو العالية.

و {جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ} مفسر في [المائدة ٥٣] وقوله: {بَلَىٰ} رد عليهم، قال الفراء: والمعنى:

{بَلَىٰ} ليبعثنهم {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا}. قوله تعالى:

{لِيُبَيّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} قال الزجاج: يجوز أن يكون متعلقا بالبعث، فيكون المعنى: بلى يبعثهم فيبين لهم، ويجوز أن يكون متعلقا بقوله تعالى:

{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً} ليبين لهم.

وللمفسرين في قوله {لِيُبَيّنَ لَهُمُ} قولان.

احدهما: أنهم جميع الناس، قاله قتادة.

والثاني: أنهم المشركون، يبين لهم بالبعث ما خالفوا المؤمنين فيه. قوله تعالى:

{أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰذِبِينَ} أي: فيما أقسموا عليه من نفي البعث. ثم أخبر بقدرته على البعث بقوله:

{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة «فيكونُ» رفعا، وكذلك في كل القرآن. وقرأ ابن عامر، والكسائي «فيكونَ» نصبا قال مكي بن إبراهيم: من رفع، قطعه عما قبله، والمعنى: فهو يكون، ومن نصب، عطفه على «يقول» وهذا مثل قوله:

{وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وقد فسرناه في {البقرة ١١٧}.

فان قيل: كيف سمي الشيء قبل وجوده شيئا؟.

فالجواب: أن الشيء وقع على المعلوم عند اللّه قبل الخلق، لأنه بمنزلة ما قد عوين وشوهد. قوله تعالى:

{وَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ فِى ٱللّه} اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال.

احدها: أنها نزلت في ستة من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، بلال، وعمار، وصهيب، وخباب بن الأرت، وعايش وجبر موليان لقريش، أخذهم أهل مكة فجعلوا يعذبونهم، ليردوهم عن الإسلام، قاله أبو صالح عن ابن عباس.

والثاني: أنها نزلت في أبي جندل بن سهيل بن عمرو، قاله داود بن أبي هند.

والثالث: أنهم جميع المهاجرين من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، قاله قتادة: ومعنى «هاجروا في اللّه» أي: في طلب رضاه وثوابه {مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} بما نال المشركون منهم،

{لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَة} وفيها خمسة أقوال.

احدها: لننزلنهم المدينة، روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، والشعبي، وقتادة، فيكون المعنى: لَنُبوِئنَهم دارا حسنة وبلدة حسنة.

والثاني: لنرزقنهم في الدنيا الرزق الحسن، قاله مجاهد.

والثالث: النصر على العدو، قاله الضحاك.

والرابع: أنه ما بقي بعدهم من الثناء الحسن، وصار لأولادهم من الشرف، ذكره الماوردي، وقد روي معناه عن مجاهد، فروى عنه ابن أبي نجيح أنه قال:

{لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَة} قال: لسان صادق.

والخامس: أن المعنى: لنحسنن إليهم في الدنيا، قال بعض أهل المعاني: فتكون على هذه الأقوال «لنبوئنهم»، على سبيل الاستعارة، إلا على القول الأول. قوله تعالى:

{وَلاَجْرُ ٱلاْخِرَةِ أَكْبَرُ} قال ابن عباس: يعني: الجنة،

{لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} يعني: أهل مكة.ونقل عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، أنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه، قال: خذ بارك اللّه لك فيه، هذا ما وعدك اللّه في الدنيا، وما ذخر لك في الآخرة أفضل، ثم يتلو هذه الآية. ثم إن اللّه أثنى عليهم ومدحهم بالصبر فقال:

{ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} أي: على دينهم، لم يتركوه لأذى نالهم، وهم في ذلك واثقون بربهم.

﴿ ٤٢