٢٥

قوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ} روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: أمر ربك. ونقل عنه الضحاك أنه قال: إنما هي ووصى ربك فالتصقت إحدى الواوين ب الصاد، وكذلك قرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل، وسعيد ابن جبير: ووصى، وهذا على خلاف ما انعقد عليه الإجماع، فلا يلتفت إليه. وقرأ أبو عمران، وعاصم الجحدري، ومعاذ القارىء: وقضاء ربك بقاف وضاد بالمد والهمز والرفع وخفض اسم الرب. قال ابن الأنباري: هذا القضاء ليس من باب الحتم والوجوب، لكنه من باب الأمر والفرض، وأصل القضاء في اللغة: قطع الشيء بإحكام واتقان: قال الشاعر يرثي عمر:

قضيت أمورا ثم غادرت بعدها  بوائق في اكمامها لم تفتق

أراد: قطعتها محكماً لها. قوله تعالى:

{وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً} أي: وأمر بالوالدين إحسانا، وهوالبر والإكرام، وقد ذكرنا هذا في [البقرة ٨٣]. قوله تعالى:

{إِمَّا يَبْلُغَنَّ} قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: يبلغن على التوحيد وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: يبلغانّ على التثنية. قال الفراء: جعلت يبلغن فعلا لاحدهما وكرت عليهما كلاهما. ومن قرأ يبلغان فإنه ثنى، لأن الوالدين قد ذكرا قبل هذا، فصار الفعل على عددهما، ثم قال:

{احدهما أَوْ كِلاَهُمَا} على الاستئناف، كقوله: {فَعَمُواْ وَصَمُّواْ} [المائدة ٧١] ثم استأنف فقال: {كَثِيرٌ مّنْهُمْ}. قوله تعالى:

{فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ} قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: أفٍ بالكسر من غير تنوين. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، والمفضل: أفَّ بالفتح من غير تنوين. وقرأ نافع، وحفص عن عاصم: أفٍ بالكسر والتنوين.وقرأ أبو الجوزاء، وابن يعمر: أفٌ بالرفع والتنوين وتشديد الفاء. وقرأ معاذ القارىء، وعاصم الجحدري، وحميد بن قيس: أفّاً مثل تعساً وقرأ ابو عمران الجوني، وأبو السماك العدوي: أفُ بالرفع من غير تنوين مع تشديد الفاء، وهي رواية الاصمعي عن ابي عمرو. وقرأ عكرمة، وأبو المتوكل، وأبو رجاء، وأبو الجوزاء: أف بإسكان الفاء وتخفيفها، قال الاخفش: وهذا لأن بعض العرب يقول: أف لك، على الحكاية، والرفع قبيح، لأنه لم يجيء بعده لام. وقرأ أبو العالية، وأبو حصين الأسدي: أفّي بتشديد الفاء وبياء.

وروى ابن الأنباري أن بعضهم قرأها: إِفِ بكسر الهمزة. وقال الزجاج: فيها سبع لغات، الكسر بلا تنوين، وبتنوين، والضم بلا تنوين، وبتنوين، والفتح بلا تنوين، وبتنوين، واللغة السابعة لا تجوز في القراءة: أُفي بالياء، هكذا قال الزجاج. وقال ابن الأنباري: في أفٍ عشرة أوجه. أُفَّ لك، بفتح الفاء، وأُفِّ بكسرها، وأُفٍّ وأُفَّا لك بالنصب والتنوين على مذهب الدعاء كما تقول: ويلاً للكافرين، و أُفٌ لك، بالرفع والتنوين، وهو رفع باللام، كقوله تعالى: {وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ} [المطففون١]، وأفٍ لك، بالخفض والتنوين، تشبيها بالأصوات، كقولك: صهٍ ومهٍ، وأفهاً لك، على مذهب الدعاء أيضاً، وأُفِّي لك، على الإضافة الى النفس، وأفْ لك، بسكون الفاء، تشبيها بالأدوات، مثل: كم وهل وبل، وإف لك، بكسر الألف. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي: قال: وتقول: أُفِ منه، وأُفَ، وأُفُ، وأُفٍ، وأُفاً، وأفٌ، و أُفيِّ مضاف، وأفهاً، وأفا بالألف، ولا تقل: أفي بالياء فانه خطأ.

فأما معنى أف ففيه خمسة اقوال.

احدها: أنه وسخ الظفر، قاله الخليل.

والثاني: وسخ الأذن، قاله الاصمعي.

والثالث: قلامة الظفر، قاله ثعلب.

والرابع: أنّ الأف الاحتقار والاستصغار، من الأفف، والأفف عند العرب: القلة، ذكره ابن الأنباري.

والخامس: أن الأف ما رفعته من الأرض من عود او قصبة، حكاه ابن فارس اللغوي. وقرأت على شيخنا أبي منصور قال: معنى الأف: النتن، والتضجر، وأصلها: نفخك الشيء يسقط عليك من تراب ورماد، وللمكان تريد اماطة الأذى عنه، فقيلت لكل مستثقل. قال المصنف: وأما قولهم: تف، فقد جعلها قوم بمعنى أف، فروي عن أبي عبيد أنه قال: أصل الأف والتف: الوسخ على الأصابع إذا فتلته. وحكى ابن الأنباري فرقا، فقال: قال اللغويون: أصل الأف في اللغة: وسخ الأذن، والتف: وسخ الأظفار، فاستعملتهما العرب فيما يكره ويستقذر ويضجر منه.وحكى الزجاج فرقا آخر، فقال: قد قيل: إن أف: وسخ الأظفار، والتف: الشيء الحقير، نحو وسخ الأذن، أو الشظية تؤخذ من الارض، ومعنى: أف النتن، ومعنى الآية: لا تقل لهما كلاما تتبرم فيه بهما اذا كبرا وأسنا، فينبغي أن تتولى من خدمتهما مثل الذي توليا من القيام بشأنك وخدمتك، {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} أي: لا تكلمهما ضجرا صائحا في وجوههما. وقال عطاء بن ابي رباح: لا تنفض يدك عليهما، يقال: نهرته أنهره نهرا، وانتهرته انتهارا، بمعنى واحد. وقال ابن فارس: نهرت الرجل وانتهرته مثل: زجرته.

قال المفسرون: وإنما نهى عن أذاهما في الكبر، وإن كان منهيا عنه على كل حالة، لأن حالة الكبر يظهر فيها منهما ما يضجر ويؤذي، وتكثر خدمتهما. قوله تعالى:

{وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} أي: لينا لطيفا أحسن ما تجد. وقال سعيد بن المسيب: قول العبد المذنب للسيد الفظ. قوله تعالى:

{وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} أي: ألن لهما جانبك متذللا لهما من رحمتك إياهما. وخفض الجناح قد شرحناه في [الحجر ٨٨]. قال عطاء: جناحك: يداك، فلا ترفعهما على والديك. والجمهور يضمون الذال من الذل. وقرأ أبو رزين، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعاصم الجحدري، وابن أبي عبلة: بكسر الذال. قال الفراء: الذِل: أن تتذلل لهما، من الذل، والذل: أن تتذلل ولست بذليل في الخدمة، والذل والذلة: مصدر الذليل، والذِل، بالكسر: مصدر الذلول، مثل الدابة والأرض. قال ابن الأنباري: من قرأ الذِل، بكسر الذال، جعله بمعنى الذل، بضم الذال، والذي عليه كبراء أهل اللغة أن الذل من الرجل: الذليل، والذل من الدابة: الذلول. قوله تعالى:

{وَقُل رَّبّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا} أي: مثل رحمتهما إياي في صغري حتى ربياني، وقد ذهب قوم إلى أن هذا الدعاء المطلق نسخ منه الدعاء لأهل الشرك بقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ}، وهذا المعنى منقول عن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، ومقاتل.ولا أرى هذا نسخاً عند الفقهاء، لأنه عامّ دخله التخصيص، وقد ذكر قريبا مما قلته ابن جرير. قوله تعالى:

{رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ} أي: بما تضمرون من اْلبر والعقوق، فمن بدرت منه بادرة وهو لا يضمر العقوق، غفر له ذلك، وهو قوله تعالى:

{إِن تَكُونُواْ صَـٰلِحِينَ} أي: طائعين للّه،

وقيل بارّين، وقيل:توَّابين، {فَإِنَّهُ كَانَ لِلاْوَّابِينَ غَفُوراً}

في الأوّاب عشرة أقوال:

احدها: أنه المسلم، رواه الضحاك عن ابن عباس.

والثاني: [أنه التواب، رواه أبو صالح عن ابن عباس]، وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير، و الضحاك، وأبو عبيدة، وقال ابن قتيبة: هو التائبُ مرّة بعد مرة. وقال الزجاج: هو التواب المقلع عن جميع ما نهاه اللّه عنه، يقال: قد آب يؤوب أوْباً: إذا رجع.

والثالث: أنه المسيح، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس.

والرابع: أنه المطيع للّه تعالى، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.

والخامس: أنه الذي يذكر ذنبه في الخلاء، فيستغفر اللّه منه، قاله عبيد بن عمير.

والسادس:أنه المقبل إلى اللّه[تعالى] بقلبه وعمله، قاله الحسن.

والسابع: المصلّي، قاله قتادة.

والثامن: هو الذي يصلي بين المغرب والعشاء، قاله ابن المنكدر.

والتاسع: الذي يصلي صلاة الضحى، قاله عون العقيلي.

والعاشر: أنه الذي يذنب سرا ويتوب سرا، قاله السدي.

﴿ ٢٥