٦٥

قوله تعالى: {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللّه عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّيْنَ} يعني: الذين ذكرهم من الأنبياء في هذه السورة {مِن ذُرّيَّةِ ءادَمَ} يعني إدريس {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} يعني: ابراهيم، لأنه من ولد سام بن نوح {وَمِن ذُرّيَّةِ إِبْرٰهِيمَ} يريد: اسماعيل واسحاق ويعقوب {وَإِسْرٰءيلَ} يعني: ومن ذرية إسرائيل، وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى. قوله تعالى:

{وَمِمَّنْ هَدَيْنَا} أي: هؤلاء كانوا ممن أرشدنا، {وَٱجْتَبَيْنَا} أى: واصطفينا. قوله تعالى:

{خَرُّواْ سُجَّداً} قال الزجاج: سجداً حال مقدرة، المعنى: خروا مقدرين السجود، لأن الإنسان في حال خروره لا يكون ساجداً، فسجدا منصوب على الحال، وهو جمع ساجد وبكياً معطوف عليه، وهو جمع باك، فقد بين اللّه تعالى أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا آيات اللّه سجدوا وبكوا من خشية اللّه. قوله تعالى:

{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} قد شرحناه في [الأعراف: ١٦٩]

وفي المراد بهذا الخلف ثلاثة أقوال.

احدها: أنهم اليهود، رواه الضحاك عن ابن عباس.

والثاني: اليهود والنصارى، قاله السدي.

والثالث: أنهم من هذه الأمة، يأتون عند ذهاب صالحي أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم يتبارون بالزنا، ينزو بعضهم على بعض في الأزقة زناة، قاله مجاهد، وقتادة. قوله تعالى:

{فَخَلَفَ مِن} وقرأ ابن مسعود، وأبو رزين العقيلي، والحسن البصري: الصلوات على الجمع. وفي المراد بإضاعتهم إياها قولان.

احدهما: أنهم أخروها عن وقتها، قاله ابن مسعود، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن مخيمرة.

والثاني: تركوها، قاله القرظي، واختاره الزجاج. قوله تعالى:

{وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوٰتِ} قال أبو سليمان الدمشقى: وذلك مثل استماع الغناء، وشرب الخمر، والزنا، واللّهو، وما شاكل ذلك مما يقطع عن أداء فرائض اللّه عز وجل. قوله تعالى:

{فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} ليس معنى هذا اللقاء مجرد الرؤية، وإنما المراد به الاجتماع والملابسة مع الرؤية.

وفي المراد بهذا الغي ستة اقوال.

احدها: أنه واد في جهنم، روراه ابن عباس عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبه قال كعب.

والثاني: أنه نهر في جهنم، قاله ابن مسعود.

والثالث: أنه الخسران، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس.

والرابع: أنه العذاب، قاله مجاهد.

والخامس: أنه الشر، قاله ابن زيد، وابن السائب.

والسادس: أن المعنى: فسوف يلقون مجازاة الغي، كقوله: {يَلْقَ أَثَاماً} [الفرقان: ٦٨] أي مجازاة الآثام، قاله الزجاج. قوله تعالى:

{إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ} فيه قولان.

احدهما: تاب من الشرك، وآمن بمحمد صلى اللّه عليه وسلم، قاله مقاتل.

والثاني: تاب من التقصير في الصلاة، وآمن من اليهود والنصارى. قوله تعالى:

{جَنَّـٰتِ عَدْنٍ} وقرأ أبو رزين العقيلي، والضحاك، وابن يعمر، وابن أبي عبلة: جنات برفع التاء. وقرأ الحسن البصري، والشعبي، وابن السميفع: جنة عدن على التوحيد مع رفع التاء. وقرأ أبو مجلز، وأبو المتوكل الناجي: جنة عدن على التوحيد مع نصب التاء. وقوله: {ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ} أي: وعدهم بها، ولم يروها، فهي غائبة عنهم. قوله تعالى:

{إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} فيه قولان.

احدهما: آتياً، قال ابن قتيبة: وهو مفعول في معنى فاعل، وهو قليل أن يأتي الفاعل على لفظ المفعول به.

وقال الفراء: إنما لم يقل: آتياً، لأن كل ما أتاك فأنت تأتيه؛ ألا ترى أنك تقول: أتيت على خمسين سنة، وأتت علي خمسون.

والثاني: مبلوغاً إليه، قاله ابن الأنباري. وقال ابن جريج: وعده هاهنا: موعوده، وهو الجنة، ومأتياً يأتيه أولياؤه. قوله تعالى:

{لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً} فيه قولان.

احدهما: أنه التخالف عند شرب الخمر، قاله مقاتل.

والثاني: ما يلغى من الكلام ويؤثم فيه، قاله الزجاج. وقال ابن الأنباري: اللغو في العربية: الفاسد المطرح. قوله تعالى:

{إِلاَّ سَلَـٰماً} قال أبو عبيدة: السلام ليس من اللغو، والعرب تستثني الشيء بعد الشيء وليس منه، وذلك أنها تضمر فيه، فالمعنى: إلا أنها يسمعون فيها سلاماً. وقال ابن الأنباري: استثنى السلام من غير جنسه، وفي ذلك توكيد للمعنى المقصود، لأنهم إذا لم يسمعوا من اللغوا إلا السلام، فليس يسمعون لغواً البتة، وكذلك قوله: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} [الشعراء: ٧٧] إذا لم يخرج من عداوتهم لي غير رب العالمين، فكلهم عدو.

وفي معنى هذا السلام قولان.

احدهما: أنه تسليم الملائكة عليهم، قاله مقاتل.

والثاني: أنهم لا يسمعون إلا ما يسلمهم، ولا يسمعون ما يؤثمهم، قاله الزجاج. قوله تعالى:

{وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً}

قال المفسرون: ليس في الجنة بكرة ولا عشية، ولكنهم يؤتون برزقهم ـ على مقدار ما كانوا يعرفون ـ في الغداة والعشي. قال الحسن: كانت العرب لا تعرف شيئا من العيش أفضل من الغداء والعشاء، فذكر اللّه لهم ذلك. وقال قتادة: كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء أعجب به، فأخبر اللّه أن لهم في الجنة رزقهم بكرة وعشياً على قدر ذلك الوقت، وليس ثم ليل ولا نهار، وإنما هو ضوء ونور. وروى الوليد ابن مسلم قال: سألت زهير بن محمد عن قوله تعالى:

{بُكْرَةً وَعَشِيّاً} فقال ليس في الجنة ليل ولا نهار، هم في نور أبدا، ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بارخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب. قوله تعالى:

{تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ} الإشارة إلى قوله: {فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} قوله تعالى: {نُورِثُ} وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، والشعبي، وقتادة، وابن أبي عبلة: بفتح الواو وتشديد الراء.

قال المفسرون: ومعنى نورث: نعطي المساكن التي كانت لأهل ـ النار لو آمنوا ـ للمؤمنين.ويجوز أن يكون معنى نورث: نعطي، فيكون كالميراث لهم من جهة أنها تمليك متسأنف. وقد شرحنا هذا في [الأعراف: ٤٣] قوله تعالى:

{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ} وقرأ ابن السميفع وابن يعمر: وما يتنزل بياء مفتوحة.

وفي سبب نزولها ثلاثة أقوال.

احدها: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت هذه الآية، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس.

والثاني: أن الملك أبطأ على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم أتاه، فقال: لعلي أبطأت، قال: قد فعلت، قال: وما لي لا أفعل، وأنتم لا تتسوكون، ولا تقصون أظفاركم، ولا تنقون براجمكم، فنزلت الآية قاله، مجاهد. قال ابن الأنباري: البراجم عند العرب: الفصوص التي في فصول ظهور الأصابع، تبدو إذا جمعت، وتغمض إذا بسطت. والرواجب: ما بين البراجم، بين كل برجمتين راجبة.

والثالث: أن جبريل احتبس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم حين سأله قومه عن قصة أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح، فلم يدر ما يجيبهم، ورجا أن يأتيه جبريل بجواب، فأبطأ عليه، فشق على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مشقة شديدة، فلما نزل جبريل قال له أبطأت علي حتى ساء ظني، واشتقت اليك، فقال جبريل: إني كنت أشوق، ولكني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست، فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة وقتادة والضحاك.

وفي سبب احتباس جبريل عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قولان.

احدهما: لامتناع أصحابه من كمال النظافة، كما ذكرنا في حديث مجاهد.

والثاني: لأنهم سألوه عن قصة أصحاب الكهف، فقال: غداً أخبركم، ولم يقل: إن شاء اللّه؛ وقد سبق هذا في [سورة الكهف: ٢٤]

وفي مقدار احتباسه عنه خمسة اقوال.

احدها: خمسة عشر يوما؛ وقد ذكرناه في الكهف عن ابن عباس.

والثاني: أربعون يوما، قاله عكرمة، ومقاتل.

والثالث: اثنتا عشرة ليلة، قاله مجاهد.

والرابع: ثلاثة ايام، حكاه مقاتل.

والخامس: خمسة وعشرون يوما الثعلبي.

وقيل: إن سورة {الضحى} نزلت في هذا السبب. والمفسرون على أن قوله: وما نتنزل الا بأمر ربك قول جبريل. وحكى الماوردي: أنه قول أهل الجنة إذا دخلوها، فالمعنى: ما ننزل هذ الجنان الا بأمر اللّه. وقيل: ما ننزل موضعا من الجنة إلا بأمر اللّه. وفي قوله:

{مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا} قولان.

احدهما: ما بين أيدينا: الآخرة، وما خلفنا الدنيا، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، وقتادة، ومقاتل.

والثاني: ما بين أيدينا: ما مضى من الدنيا، وما خلفنا: من الآخرة، فهو عكس الاول، قاله مجاهد. وقال الأخفش: ما بين أيدينا: قبل ان نخلق، وما خلفنا: بعد الفناء. وفي قوله تعالى:

{وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ} ثلاثة أقوال.

احدها: ما بين الدنيا والآخرة، قاله سعيد بن جبير.

والثاني: ما بين النفختين، قاله مجاهد، وعكرمة، وأبو العالية.

والثالث: حين كوننا، قاله الأخفش. قال ابن الأنباري:

وإنما وحد ذلك، والإشارة الى شيئين.

احدهما: ما بين أيدينا.

والثاني: ما خلفنا، لأن العرب توقع ذلك على الاثنين والجمع.

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} النسي، بمعنى الناسي. وفي معنى الكلام قولان.

احدهما: ما كان تاركاً لك منذ أبطأ الوحي عنك، قاله ابن عباس. قال مقاتل: ما نسيك عند انقطاع الوحي عنك.

والثاني: أنه عالم بما كان ويكون لا ينسى شيئا، قاله الزجاج.

قوله تعالى: {فَٱعْبُدْهُ} أي: وحده، لأن عبادته بالشرك ليست عبادة، {وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} أي: اصبر على توحيده؛

وقيل: على أمره ونهيه. قوله تعالى:

{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} روى هارون عن أبي عمرو أنه كان يدغم هل تعلم، ووجهه أن سيبويه يجيز إدغام اللام في التاء والثاء والدال والزاي والسين والصاد والطاء، لأن آخر مخرج من اللام وقريب من مخارجهن. قال أبو عبيدة: إذا كان بعد هل تاء، ففيه لغتان، بعضهم يبين لام هل، وبعضهم يدغمها. وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال.

احدها: مثلاً وشبهاً، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة.

والثاني: هل تعلم أحدا يسمى اللّه غيره، رواه عطاء عن ابن عباس.

والثالث: هل تعلم أحدا يستحق أن يقال له: خالق وقادر، الا هو، قاله الزجاج.

﴿ ٦٥