٧٢

قوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلإِنْسَـٰنُ} سبب نزولها إن ابي بن خلف أخذ عظما بالياً، فجعل يفته بيده ويذريه في الريح ويقول: زعم لكم محمد أن اللّه يبعثنا بعد أن نكون مثل هذا العظم البالي، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس.

وروى عطاء عن ابن عباس: أنه الوليد بن المغيرة. قوله تعالى:

{لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} إن قيل: ظاهره ظاهر سؤال، فأين جوابه؟ فعنه ثلاثة أجوبة ذكرها ابن الأنباري.

احدها: أن ظاهر الكلام استفهام، ومعناه معنى جحد وإنكار، تلخيصه: لست مبعوثا بعد الموت.

والثاني: أنه لما استفهم بهذا الكلام عن البعث، أجابه اللّه عز وجل بقوله: {أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَـٰنُ}، فهو مشتمل على معنى: نعم، وأنت مبعوث.

والثالث: أن جواب سؤال هذا الكافر في [يس: ٧٨] عند قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً}، ولا ينكر بعد الجواب، لأن القرآن كله بمنزلة الرسالة الواحدة، والسورتان مكيتان. قوله تعالى:

{أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَـٰنُ} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: بفتح الذال مشددة الكاف. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر: يذكر، ساكنة الذال خفيفة. وقرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل الناجي: أولا يتذكر الإنسان بياء وتاء. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن: يذكر بياء من غير تاء ساكنة الذال مخففة مرفوعة الكاف، والمعنى: أولا يتذكر هذا الجاحد أول خلقه، فيستدل بالابتداء على الإعادة؟ٰ

{فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} يعني: المكذبين بالبعث {وَٱلشَّيَـٰطِينَ} أي: مع الشياطين، وذلك أن كل كافر يحشر مع شيطانه في سلسلة،

{ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ} قال مقاتل: أي: في جهنم، وذلك أن حول الشيء يجوز أن يكون داخله، تقول: جلس القوم حول البيت: إذا جلسوا داخله مطيفين به.

وقيل يجثون حولها قبل أن يدخلوها. فأما قوله: {جِثِيّاً} فقال الزجاج: هو جمع جاث، مثل قاعد وقعود، وهو منصوب على الحال، والاصل ضم الجيم، وجاء كسرها إتباعا لكسرة الثاء.

وللمفسرين في معناه خمسة أقوال.

احدها: قعوداً، رواه العوفي عن ابن عباس.

والثاني: جماعات جماعات، روي عن ابن عباس أيضا. فعلى هذا هو جمع جثوة وهي المجموع من التراب والحجارة.

والثالث: جثيا على الركب، قاله الحسن، ومجاهد، والزجاج.

والرابع: قياما، قاله أبو مالك.

والخامس: قياما على ركبهم، قاله السدي، وذلك لضيق المكان بهم. قوله تعالى:

{لَنَنزِعَنَّ مِن كُلّ شِيعَةٍ} أي: لنأخذن من كل فرقة وأمة وأهل دين

{أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً} أي: أعظمهم له معصية، والمعنى: أنه يبدأ بتعذيب الأعتى فالأعتى، وبالأكابر جرماً، والرؤوس القادة في الشر. قال الزجاج: وفي رفع أيهم ثلاثة أقوال.

احدها: أنه على الاستئناف، ولم تعمل لننزعن شيئا، هذا قول يونس.

والثاني: أنه على معنى الذي يقال لهم: أيهم أشد على الرحمن عتياً؟ٰ قاله الخليل، واختاره الزجاج، وقال: التأويل لننزعن الذي من أجل عتوه يقال: أي هؤلاء أشد عتياً؟ وأنشد:

ولقد أبيت عن الفتاة بمنزلٍ  فأبيت لاحرج ولا محروم

المعنى: أبيت بمنزلة الذي يقال له:

لا هو حرج ولا محروم.

والثالث: أن أيهم مبنية على الضم، لأنه خالفت أخواتها، فالمعنى: أيهم هو أفضل. وبيان خلافها لأخواتها أنك تقول: اضرب أيهم أفضل، ولا يحسن: اضرب من أفضل، حتى تقول من هو أفضل، ولا يحسن: كل ما أطيب، حتى تقول: ما هو أطيب، ولا خذ ما أفضل، حتى تقول: الذي هو أفضل، فلما خالفت ما و من و الذي بنيت على الضم، قاله سيبويه. قوله تعالى:

{هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً} يعني: أن الأولى بها صلياً الذين هم أشد عتياً، فيبتدأ بهم قبل أتباعهم. وصلياً: منصوب على التفسير، يقال: صلي النار يصلاها: إذا دخلها وقاسى حرها. قوله تعالى:

{وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} في الكلام إضمار تقديره: وما منكم أحد إلا وهو واردها. وفيمن عني بهذا الخطاب قولان.

احدهما: أنه عام في حق المؤمن والكافر، هذا قول الأكثرين.

وروي عن ابن عباس أنه قال: هذه الآية للكفار. وأكثر الروايات عنه كالقول الأول. قال ابن الأنباري: ووجه هذا أنه لما قال: لنحضرنهم وقال: أيهم أشد على الرحمن عتياً كان التقدير: وإن منهم، فأبدلت الكاف من الهاء، كما فعل في قوله: {إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء} [الانسان: ٢٢] المعنى: كان لهم، لأنه مردود على قوله: {وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ} [الانسان: ٢١]

وقال الشاعر:

شطت مزار العاشقين فأصبحت  عسرا علي طلابك ابنة مخرم

أراد: طلابها. وفي هذا الورود خمسة أقوال.

احدها: أنه الدخول. روى جابر بن عبد اللّه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: الورود: الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار ـ أو قال: لجهنم ـ ضجيجاً من بردهم.

وروي عن ابن عباس أنه سأله نافع بن الأزرق عن هذه الآية فقال له: أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر أيخرجنا اللّه عز وجل منها، أم لا؟ فاحتج بقوله تعالى {فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ} [هود: ٩٨] وبقوله تعالى: {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الانبياء: ٩٨]. وكان عبد اللّه بن رواحة يبكي ويقول أنبئت أني وارد، ولم أنبأ أني صادر. وحكى الحسن البصري أن رجلا قال لأخيه يا أخي هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم؛ قال: فهل أتاك أنك خارج منها، قال: لا؛ قال: ففيم الضحك؟ٰ وقال خالد بن معدان: إذا دخل أهل الجنة الجنة، قالوا: ألم يعدنا ربنا أن نرد النار؟ فيقال لهم: بلى، ولكن مررتم بها وهي خامدة.وممن ذهب الى انه الدخول: الحسن في رواية، وأبو مالك. وقد اعترض على أرباب هذا القول بأشياء. فقال الزجاج: العرب تقول: وردت بلد كذا، ووردت ماء كذا، إذا أشرفوا عليه وإن لم يدخلوا، ومنه قوله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ} [القصص: ٣٣] والحجة القاطعة في هذا القول قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا} [الأنبياء: ١٠١،١٠٢] وقال زهير: فلما وردن الماء زرقا جمامةُ  وضعن عصي الحاضر المتخيم أي: لما بلغن الماء قمن عليه.

قلت: وقد أجاب بعضهم عن هذه الحجج، فقال: أما الآية الأولى، فان موسى لما أقام حتى استقى الماء وسقى الغنم، كان بلبثه ومباشرته كأنه دخل؛ وأما الآية الأخرى: فانها تضمنت الإِخبار عن أهل الجنة حين كونهم فيها، وحينئذ لا يسمعون حسيسها. وقد روينا آنفاً عن خالد بن معدان أنهم يمرون بها، ولا يعلمون.

والثاني: أن الورود: الممر عليها، قاله عبد اللّه بن مسعود، وقتادة. وقال ابن مسعود: يرد الناس النار، ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق، ثم كالريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب في رحله، ثم كشد الرحل، ثم كمشيه.

والثالث: أن ورودها: حضورها، قاله عبيد بن عمير.

والرابع: أن ورود المسلمين: المرور على الجسر، وورود المشركين: دخولها. قاله ابن زيد.

والخامس: أن ورود المؤمن إليها: ما يصيبه من الحمى في الدنيا، روى عثمان بن الأسود عن مجاهد أنه قال: الحمى حظ كل مؤمن من النار، ثم قرأ: وإن منكم إلا واردها فعلى هذا من حم من المسلمين، فقد وردها.

قوله تعالى: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ} يعني: الورود {حَتْماً} والحتم: ايجاب القضاء، والقطع بالأمر. والمقضي: الذي قضاه اللّه تعالى، والمعنى: إنه حتم ذلك وقضاه على الخلق. قوله تعالى:

{ثُمَّ نُنَجّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} وقرأ ابن عباس، وأبو مجلز، وابن يعمر، وابن أبي ليلى، وعاصم الجحدري: ثم بفتح الثاء. وقرأ الكسائي، ويعقوب: ننجي مخففة. وقرأت عائشة، وأبو بحرية، وأبو الجوزاء الربعي: ثم ينجي بياء مرفوعة قبل النون خفيفة الجيم مكسورة. وقرأ أبي بن كعب، وأبو مجلز، وابن السميفع، وأبو رجاء: ننحي بحاء غير معجمة مشددة. وهذه الآية يحتج بها القائلون بدخول جميع الخلق، لأن النجاة: تخليص الواقع في الشيء، ويؤكده قوله تعالى:

{وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا} ولم يقل: وندخلهم؛ وإنما يقال نذر ونترك لمن قد حصل في مكانه. ومن قال: إن الورود للكفار خاصة، قال: معنى هذا الكلام: نخرج المتقين من جملة من يدخل النار. والمراد بالمتقين: الذين اتقوا الشرك، وبالظالمين: الكفار. وقد سبق معنى قوله تعالى: {جِثِيّاً} [مريم: ٦٨].

﴿ ٧٢