|
٤٤ قوله تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ} قال المفسرون: هذا تعزية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بذكر هذا الرسول الصابر ليتأسى به في صبره، وليعلم أن الرسل قبله قد كذبوا. قوله تعالى: {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} أي: يعلوكم بالفضيلة، فيصير متبوعا، {وَلَوْ شَاء ٱللّه} أن لا يعبد شيء سواه {لاَنزَلَ مَلَـٰئِكَةً} تبلغ عنه أمره، لم يرسل بشرا {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا} الذي يدعونا إليه نوح من التوحيد {فَقَالَ ٱلْمَلَؤُا ٱلَّذِينَ}. فأما الجنة فمعناها: الجنون. وفي قوله: {حَتَّىٰ حِينٍ} قولان. احدهما: أنه الموت، فتقديره: انتظروا موته. والثاني: أنه وقت منكر. قوله تعالى: {قَالَ رَبّ ٱنصُرْنِى} وقرأ عكرمة، وابن محيصن: قال رب بضم الباء، وفي القصة الأخرى [المؤمنون: ٣٩]. قوله تعالى: {بِمَا كَذَّبُونِ} وقرأ يعقوب: كذبوني بياء، وفي القصة التي تليها أيضا: {فاتقوني} [المؤمنون: ٥٢] {ءانٍ} [المؤمنون: ٩٨] {رَبّ} [المؤمنون:٩٩] {وَلاَ} [المؤمنون: ١٠٨] أثبتهن في الحالين يعقوب، والمعنى: انصرني بتكذيبهم، أي: انصرني بإهلاكهم جزاءً لهم بتكذيبهم. {كَذَّبُونِ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} قد شرحناه في [هود ٣٧] إلى قوله: {فَٱسْلُكْ فِيهَا} أي: أدخل في سفينتك {مِن كُلّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: من كل بكسر اللام من غير تنوين. وقرأ حفص عن عاصم من كل بالتنوين. قال أبو علي: قراءة الجمهور إضافة كل إلى زوجين، وقراءة حفص تؤول إلى زوجين، لأن المعنى: من كل الأزواج زوجين. قوله تعالى: {وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِى مُنزَلاً} قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: منزلاً بضم الميم. وروى أبو بكر عن عاصم: فتحها. والمَنزلُ، بفتح الميم: اسم لكل ما نزلت به، والمنزل، بضمها: المصدر بمعنى الإنزال؛ تقول أنزلته إنزالاً ومنزلاً. وفي الوقت الذي قال فيه نوح ذاك قولان. احدهما: عند نزوله في السفينة. والثاني: عند نزوله من السفينة. قوله تعالى: {إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي: في قصة نوح وقومه {لايَـٰتٍ وَإِن كُنَّا} أي: وما كنا {لَمُبْتَلِينَ} أي: لمختبرين إياهم بإرسال نوح إليهم. {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً ءاخَرِينَ} يعني:عادا {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ} وهو هود، هذا قول الأكثرين؛ وقال أبو سليمان الدمشقي: هم ثمود، والرسول صالح. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ} قال الزجاج: موضع أنكم نصب على معنى: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم، فلما طال الكلام أعيد ذكر أن كقوله: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللّه وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [التوبة: ٦٣]. قوله تعالى: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ} قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: هيهات هيهات بفتح التاء فيهما في الوصل، وإسكانها في الوقف. وقرأ أبي بن كعب، وأبو مجلز، وهارون، عن أبي عمرو: هيهاتا هيهاتا بالنصب والتنوين. وقرأ ابن مسعود، وعاصم الجحدري، وأبو حيوة الحضرمي، وابن السميفع: هيهات هيهات بالرفع والتنوين. وقرأ أبو العالية، وقتادة: هيهات هيهات بالخفض والتنوين. وقرأ أبو جعفر: هيهات هيهات بالخفض من غير تنوين، وكان يقف بالهاء. وقرأ أبو المتوكل الناجي، وسعيد بن جبير، وعكرمة: هيهات هيهات بالرفع من غير تنوين، وقرأ معاذ القارىء، وابن يعمر، وأبو رجاء، وخارجة عن أبي عمرو: هيهات هيهات بإسكان التاء فيهما. وفي هيهات عشر لغات قد ذكرنا منها سبعة عن القراء، والثامنة: إيهات، والتاسعة: إيهان بالنون، والعاشرة: إيها بغير نون، ذكرهن ابن القاسم؛ وأنشد الأحوص في الجمع بين لغتين منهن:تذكر أياما مضين من الصبا وهيهات هيهاتا إليك رجوعهاقال الزجاج: فأما الفتح، فالوقف فيه بالهاء، تقول: هيهاه إذا فتحت ووقفت بعد الفتح، فإذا كسرت ووقفت على التاء كنت ممن ينون في الوصل، أو كنت ممن لا ينون. وتأويل هيهات: البعد لما توعدون. وإذا قلت: هيهات ما قلت، فمعناه: بعيد ما قلت. وإذا قلت: هيهات لما قلت، فمعناه: البعد لما قلت. ويقال: أيهات في معنى هيهات، وأنشدوا: وأيهات أيهات العقيق ومن به وأيهات وصل بالعقيق نواصله قال أبو عمرو بن العلاء: إذا وقفت على هيهات فقل: هيهاه. وقال الفراء: الكسائي يختار الوقف بالهاء، وأنا اختار التاء. قوله تعالى: {لِمَا تُوعَدُونَ} قرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة: ما توعدون بغير لام. قال المفسرون: استبعد القوم بعثهم بعد الموت إغفالاً منهم للتفكر في بدو أمرهم وقدرة اللّه على إيجادهم،وأرادوا بهذا الاستبعاد أنه لا يكون أبدا، {إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} يعنون: ما الحياة إلا ما نحن فيه، و ليس بعد الموت حياة. فإن قيل: كيف قالوا: {نَمُوتُ وَنَحْيَا} وهم لا يقرون بالبعث؟ فعنه ثلاثة أجوبة ذكرها الزجاج. احدها: نموت ويحيا أولادنا، فكأنهم قالوا: يموت قوم ويحيا قوم. والثاني: نحيا ونموت، لأن الواو للجمع، لا للترتيب. والثالث: أبتداؤنا موات في أصل الخلقة، ثم نحيا، ثم نموت. قوله تعالى: {إِنْ هُوَ} يعنون الرسول. وقد سبق تفسير ما بعد هذا [هود ٧، النحل ٣٨] إلى قوله: {قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ} قال الزجاج: معناه: عن قليل، وما زائدة بمعنى التوكيد. قوله تعالى: {لَّيُصْبِحُنَّ نَـٰدِمِينَ} أي: على كفرهم، {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقّ} أي: باستحقاقهم العذاب بكفرهم. قال المفسرون: صاح بهم جبريل صيحة رجفت لها الأرض من تحتهم، فصاروا لشدتها غثاء. قال أبو عبيدة: الغثاء ما أشبه الزبد وما ارتفع على السيل ونحو ذلك مما لا ينتفع به في شيء. وقال ابن قتيبة: المعنى: فجعلناهم هلكى كالغثاء، وهو ما علا السيل من الزبد والقمش، لأنه يذهب ويتفرق. وقال الزجاج: الغثاء: الهالك والبالي من ورق الشجر الذي إذا جرى السيل رأيته مخالطا زبده. وما بعد هذا قد سبق شرحه [الحجر ٥] إلى قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر: تترى كلما منونة والوقف بالألف. وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: بلا تنوين، والوقف عند نافع، وابن عامر بألف. وروى هبيرة، وحفص عن عاصم، أنه يقف بالياء؛ قال أبو علي: يعني بقوله: يقف بالياء، أي: بألف ممالة. قال الفراء: أكثر العرب على ترك التنوين، ومنهم من نون، قال ابن قتيبة: والمعنى: نتابع بفترة بين كل رسولين، وهو من التواتر، والأصل: وترى، فقبلت الواو تاء كما قلبوها في التقوى والتخمة. وحكى الزجاج عن الأصمعي أنه قال: معنى واترت الخبر: اتبعت بعضه بعضا، وبين الخبرين هنية. وقرات على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: ومما تضعه العامة غير موضعه قولهم: تواترت كتبي إليك، يعنون: اتصلت من غير انقطاع، فيضعون التواتر في موصع الاتصال، وذلك غلط إنما التواتر مجيء الشيء ثم انقطاعة ثم مجيئه، وهو التفاعل من الوتر، وهو الفرد، يقال: واترت الخبر، أتبعت بعضه بعضا، وبين الخبرين هنيهة، قال اللّه تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} أصلها وترى من المواترة،فأبدلت التاء من الواو، ومعناه: منقطعة متفاوته، لأن بين كل نبيين دهرا طويلاً. وقال أبو هريرة: لا بأس بقضاء رمضان تترى، أي: منقطعا. فإذا قيل: واتر فلان كتبه، فالمعنى: تابعها، وبين كل كتابين فترة. قوله تعالى: {فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً} أي: أهلكنا الأمم بعضهم في إثر بعض {وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ} قال أبو عبيدة: أي: يتمثل بهم في الشر؛ ولا يقال في الخير: جعلته حديثا. |
﴿ ٤٤ ﴾