٧٠

قوله تعالى: {قَوَاماً وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللّه إِلَـٰهَا ءاخَرَ} في سبب نزولها ثلاثة أقوال.

احدها: ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود، قال: سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل للّه نِدا وهو خلقك، قلت: ثم أي، قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك»، فأنزل اللّه تعالى تصديقها: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللّه إِلَـٰهَا ءاخَرَ} الآية.

والثاني: أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا، ثم أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت هذه الآية إلى قوله:

{غَفُوراً رَّحِيماً} أخرجه مسلم من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس.

والثالث: أن وحشيا أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا محمد أتيتك مستجيرا فأجرني، حتى أسمع كلام اللّه، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:

«قد كنت احب أن أراك على غير جوار، فأما إذا أتيتني مستجيرا فأنت في جواري، حتى تسمع كلام اللّه، قال: فإني أشركت باللّه وقتلت النفس التي حرم اللّه وزنيت، فهل يقبل اللّه مني توبة؟ فصمت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية، فتلاها عليه، فقال: أرى شرطا فلعلي لا أعمل صالحا، أنا في جوارك حتى اسمع كلام اللّه، فنزلت {إِنَّ ٱللّه لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: ٤٨] فدعاه فتلاها عليه فقال: ولعلي ممن لا يشاء اللّه، أنا في جوارك حتى أسمع كلام اللّه، فنزلت {قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللّه} الآية [الزمر:٥٣] فقال: نعم الآن لا أرى شرطا، فأسلم،

رواه عطاء عن ابن عباس، وهذا وحشي هو قاتل حمزة» وفي هذا الحديث المذكور عنه نظر، وهو بعيد الصحة، والمحفوظ في إسلامه غير هذا، وأنه قدم مع رسل الطائف فأسلم من غير اشتراط.

وقوله {يَدَّعُونَ} معناه: يعبدون وقد سبق بيان قتل النفس بالحق في [الأنعام١٥١].

قوله تعالى: {يَلْقَ أَثَاماً} وقرأ سعيد بن جبير، وأبو المتوكل: {يَلْقَ} برفع الياء وفتح اللام وتشديد القاف مفتوحة، قال ابن عباس: يلق جزاء. وقال مجاهد، وعكرمة: وهو واد في جهنم. وقال ابن قتيبة: يلق عقوبة، وأنشد:

جزى اللّه ابن عروة حيث أمسى  عقوقا والعقوق له أثام

قال الزجاج: وقوله تعالى: {يَلْقَ أَثَاماً} جزما على الجزاء. قال أبو عمرو الشيباني يقال: قد لقي أثام ذلك، أي: جزاء ذلك، وسيبويه والخليل يذهبان إلى أن معناه: يلقى جزاء الأثام، قال سيبويه: وإنما جزم {يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ} لأن مضاعفة العذاب لقي الآثام، فلذلك جزمت، كما قال الشاعر:

متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا  تجد حطبا جزلا ونارا تأججا

لأن الإتيان هو الإلمام، فجزم «تلمم» لانه بمعنى تأتي. وقرأ الحسن: {يُضَـٰعِفُ} وهو جيد بالغ، تقول: ضاعفت الشيء وضعفته.

وقرأ عاصم: {يُضَـٰعِفُ} بالرفع على تفسير {يَلْقَ أَثَاماً} كأن قائلاً قال: ما لقي الأثام، فقيل: يضاعف للآثم العذاب. وقرأ أبو المتوكل، وقتادة، وأبو حيوة: {يُضَـٰعِفُ} برفع الياء وسكون الضاد وفتح العين خفيفة من غير ألف. وقرأ أبو حصين الأسدي، والعمري عن أبي جعفر مثله، إلا أن العين مكسورة، {وَٱلْعَذَابَ} بالنصب.

قوله تعالى: {وَيَخْلُدْ} وقرأ أبو حيوة، وقتادة، والأعمش:

{وَيَخْلُدْ} برفع الياء وسكون الخاء وفتح اللام مخففة، وقرأ عاصم الجحدري، وابن يعمر، وأبو المتوكل مثله، إلا أنهم شددوا اللام.

فصل

ولعلماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية قولان.

احدهما: أنها منسوخة وفي ناسخها ثلاثة أقوال.

احدها: أنه قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء٩٣] قاله ابن عباس. وكان يقول: هذه مكية، والتي في النساء مدنية.

والثاني: انها نسخت بقوله: {إِنَّ ٱللّه لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} الآية [النساء٤٨].

والثالث: أنالأولى نسخت بالثانية، وهي قوله:{إِلاَّ مَن تَابَ}.

والقول الثاني: أنها محكمة، والخلود إنما كان لانضمام الشرك إلى القتل والزنا وفساد القول. الأول ظاهر لأن القتل لا يوجب تخليدا عند الأكثرين، وقد بيناه في سورة [النساء٩٣]، والشرك لا يغفر إذا مات المشرك عليه، والاستثناء ليس بنسخ.

قوله تعالى: {إِلاَّ مَن تَابَ} قال ابن عباس: قرأنا على عهد رسول اللّه سنتين: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللّه إِلَـٰهَا ءاخَرَ} ثم نزلت {إِلاَّ مَن تَابَ} فما رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرح بشيء فرحه بها، وب {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} [الفتح١].

قوله تعالى: {فَأُوْلَـئِكَ يُبَدّلُ ٱللّه سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ} اختلفوا في كيفية هذا التبديل وفي زمان كونه، فقال ابن عباس: يبدل اللّه شركهم إيمانا، وقتلهم إمساكا، وزناهم إحصانا، وهذا يدل: أولاً: على أنه يكون في الدنيا، وممن ذهب إلى هذا المعنى سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد.

والثاني: أن هذا يكون في الآخرة، قاله سلمان رضي اللّه عنه، وسعيد بن المسيب، وعلي بن الحسين. وقال عمرو بن ميمون: يبدل اللّه سيئات المؤمن إذا غفرها له حسنات، حتى إن العبد يتمنى أن تكون سيئاته أكثر مما هي، وعن الحسن كالقولين.

وروي عن الحسن أنه قال: ود قوم يوم القيامة أنهم كانوا في الدنيا استكثروا من الذنوب، فقيل: من هم؟ قال: هم الذين قال اللّه تعالى فيهم:

{فَأُوْلَـئِكَ يُبَدّلُ ٱللّه سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ} ويؤكد هذا القول حديث أبي ذر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم:

«يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، فتعرض عليه صغار ذنوبه، وتنحى عنه كبارها، فيقال: عملت يوم كذا كذا وكذا، وهو مقر لا ينكر، وهو مشفق من الكبار، فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة». أخرجه مسلم في صحيحه.

﴿ ٧٠