|
٧٤ قوله تعالى: {وَمَن تَابَ} ظاهر هذه التوبة أنها عن الذنوب المذكورة. وقال ابن عباس: يعني: ممن لم يقتل ولم يزن، {وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً} فاني قد قدمتهم وفضلتهم على من قاتل نبيي واستحل محارمي. قوله تعالى: {فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللّه مَتاباً} قال ابن الأنباري: معناه: من اراد التوبة وقصد حقيقتها، فينبغي له أن يريد اللّه بها، ولا يخلط بها ما يفسدها، وهذا كما يقول الرجل: من تجر فانه يتجر في البز، ومن ناظر فانه يناظر في النحو، أي: من أراد ذلك فينبغي أن يقصد هذا الفن. قال: ويجوز أن يكون معنى هذه الآية: ومن تاب وعمل صالحا. فان ثوابه وجزاءه يعظمان له عند ربه، الذي أراد بتوبته، فلما كان قوله: {فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللّه مَتاباً} يؤدي عن هذا المعنى، كفى منه، وهذا كما يقول الرجل للرجل: إذا تكلمت فاعلم أنك تكلم الوزير، أي: تكلم من يعرف كلامك ويجازيك، ومثله قوله تعالى: {إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ ٱللّه فَعَلَى ٱللّه تَوَكَّلْتُ} [يونس٧١] أي: فاني أتوكل على من ينصرني، ولا يسلمني. وقال قوم معنى الآية: فانه يرجع إلى اللّه مرجعا يقبله منه. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} فيه ثمانية أقوال. احدها: أنه الصنم، روى الضحاك عن ابن عباس: ان الزور صنم كان للمشركين. والثاني: أنه الغناء، قاله محمد بن الحنفية، ومكحول؛ وروى ليث عن مجاهد قال: لا يسمعون الغناء. والثالث: الشرك، قاله الضحاك، وأبو مالك. والرابع: لعب كان لهم في الجاهلية، قاله عكرمة. والخامس: الكذب، قاله قتادة، وابن جريج. والسادس: شهادة الزور، قاله علي بن أبي طلحة. والسابع: أعياد المشركين، قاله الربيع بن أنس. والثامن: مجالس الخنا، قاله عمرو بن قيس. وفي المراد باللغو هاهنا خمسة أقوال. احدها: المعاصي، قاله الحسن. والثاني: أذى المشركين إياهم، قاله مجاهد. والثالث: الباطل، قاله قتادة. والرابع: الشرك، قاله الضحاك. والخامس: إذا ذكروا النكاح كنوا عنه، قاله مجاهد. وقال محمد ابن علي: إذا ذكروا الفروج كنوا عنها. قوله تعالى: {مَرُّواْ كِراماً} فيه ثلاثة أقوال. احدها: مروا حلماء، قاله ابن السائب. والثاني: مروا معرضين عنه، قاله مقاتل. والثالث: أن المعنى: إذا مروا باللغو جاوزوه، قاله الفراء. قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ} أي: وعظوا {بآيَـٰتِ رَبّهِمْ} وهي القرآن، {لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} قال ابن قتيبة: لم يتغافلوا عنها، كأنهم صم لم يسمعوها، عمي لم يروها، وقال غيره من أهل اللغة: لم يثبتوا على حالتهم الأولى، كأنهم لم يسمعوا، ولم يروا، وإن لم يكونوا خروا حقيقة، تقول العرب: شتمت فلانا، فقام يبكي، وقعد يندب، وأقبل يعتذر، وظل يتحير، وإن لم يكن قام ولا قعد. قوله تعالى: {هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوٰجِنَا وَذُرّيَّـٰتِنَا} قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: {وَذُرّيَّـٰتِنَا} على الجمع. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، وحفص عن عاصم: {وَذُرّيَّـٰتِنَا} على التوحيد، {قُرَّةِ أَعْيُنٍ} وقرأ ابن مسعود، وأبو حيوة: {قَرَأْتَ أَعْيُنٍ} يعنون: من يعمل بطاعتك فتقر به أعيننا في الدنيا والآخرة، وسئل الحسن عن قوله: {قُرَّةِ أَعْيُنٍ} في الدنيا أم في الآخرة؟ قال: لا بل في الدنيا، وأي شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وولده، يطيعون اللّه، واللّه ما طلب القوم إلا أن يطاع اللّه فتقر أعينهم. قال الفراء: إنما قال: {قُرَّةِ} لأنها فعل. والفعل لا يكاد يجمع، ألا ترى إلى قوله: {وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً} [الفرقان ٤٤] فلم يجمعه، والقرة مصدر تقول: قرت عينه قرة، ولو قيل: قرة عين او قرات اعين كان صوابا. وقال غيره: أصل القرة من البرد، لأن العرب تتأذى بالحر، وتستروح إلى البرد. وله تعالى: {وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} فيه قولان. احدهما: اجعلنا أئمة يقتدى بنا، قاله ابن عباس. وقال غيره: هذا من الواحد الذي يراد به الجمع، كقوله: {إِنَّا رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} [الشعراء١٦] وقوله: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى} [الشعراء٧٧]. والثاني: اجعلنا مؤتمين بالمتقين مقتدين بهم، قاله مجاهد، فعلى هذا يكون الكلام من المقلوب، فيكون المعنى: واجعل المتقين لنا إماما. |
﴿ ٧٤ ﴾