٣٩

{وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ} أي: نبي ينذر {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا} وهم أغنياؤهم ورؤساؤها.

قوله تعالى: {وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوٰلاً وَأَوْلَـٰداً} في المشار إليهم قولان.

احدهما: أنهم المترفون من كل أمة.

والثاني: مشركو مكة، فظنوا من جهلهم أن اللّه خولهم المال والولد لكرامتهم عليه، فقالوا:

{وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} لأن اللّه أحسن إلينا بما أعطانا فلا يعذبنا فأخبر أنه

{يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ}؛ والمعنى أن بسط الرزق وتضييقه ابتلاء وامتحان، لا أن البسط يدل على رضى اللّه، ولا التضييق يدل على سخطه

{وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك ثم صرح بهذا المعنى بقوله

{وَمَا أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ بِٱلَّتِى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ} قال الفراء: يصلح أن تقع

{ٱلَّتِى} على الأموال والأولاد جميعا، لأن الأموال جمع والأولاد جمع، وإن شئت وجهت التي إلى الأموال واكتفيت بها من ذكر الأولاد، وأنشد لمرار الأسدي: نحن بما عندنا وأنت بما  عندك راض والرأي مختلف قد شرحنا هذا في قوله: {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللّه} [التوبة٣٤]

وقال الزجاج:المعنى: وما أموالكم بالتي تقربكم، ولا أولادكم بالذين يقربونكم، فحذف اختصارا. وقرأ أبي بن كعب، والحسن، وأبو الجوزاء:

{بِٱلَّتِى تُقَرّبُكُمْ} قال الأخفش: و{زُلْفَىٰ} هاهنا اسم مصدر، كأنه قال: تقربكم عندنا ازدلافا. وقال ابن قتيبة:

{زُلْفَىٰ} أي: قربى ومنزلة عندنا.

قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ ءامَنَ} قال الزجاج: المعنى: ما تقرب الأموال إلا من آمن وعمل بها في طاعة اللّه،

{فَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ جَزَاء ٱلضّعْفِ} والمراد به ها هنا عشر حسنات، تأويله لهم جزاء الضعف الذي قد أعلمتكم مقداره، وقال ابن قتيبة: لم يرد فيما يرى أهل النظر ـواللّه اعلم ـ أنهم يجازون بواحد مثله ولا اثنين، ولكنه أراد جزاء التضعيف، وهو مِثْل يضم إلى مِثْل ما بلغ، وكأن الضعف الزيادة فالمعنى: لهم جزاء الزيادة. وقرأ سعيد بن جبير، وأبو المتوكل، ورويس، وزيد عن يعقوب:

{لَهُمْ جَزَاء} بالنصب والتنوين، وكسر التنوين وصلا {ٱلضّعْفِ} بالرفع.

وقرأ أبو الجوزاء، وقتادة، وأبو عمران الجوني: {لَهُمْ جَزَاء} بالرفع والتنوين الضعفُ بالرفع.

قوله تعالى: {وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ} يعني في غرف الجنة، وهي البيوت فوق الأبنية.

وقرأ حمزة {فِى * ٱلْغُرْفَةَ} على التوحيد، أراد اسم الجنس. وقرأ الحسن، وأبو المتوكل:

{فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ} بضم الغين وسكون الراء مع الألف. وقرأ أبو الجوزاء، وابن يعمر: بضم الغين وفتح الراء مع الألف {ءامِنُونَ} من الموت والغير. وما بعد هذا قد تقدم تفسيره [الحج٥١، الرعد٢٦] إلى قوله:

{وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ} أي: يأتي ببدله يقال: أخلف اللّه له وعليه: إذا أبدل ما ذهب عنه.

وفي معنى الكلام اربعة أقوال.

احدهما: ما أنفقتم من غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه، قاله سعيد بن جبير.

والثاني: ما أنفقتم في طاعته فهو يخلفه في الآخرة بالأجر، قاله السدي.

والثالث: ما أنفقتم في الخير والبِر فهو يخلفه، إما أن يعجله في الدنيا أو يدخره لكم في الآخرة، قاله ابن السائب.

والرابع: أن الإنسان قد ينفق ماله في الخير ولا يرى له خلفا أبدا، وإنما معنى الآية: ما كان من خلف فهو منه، ذكره الثعلبي.

قوله تعالى: {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرزِقِينَ} لما دار على الألسن أن السلطان يرزق الجند، وفلان يرزق عياله، أي: يعطيهم أخبر أنه خير المعطين.

﴿ ٣٩