٨٣

قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ} اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية والتي بعدها على خمسة أقوال:

أحدها: أنه العاص بن وائل السهمي، أخذ عظما من البطحاء ففته بيده، ثم قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: أيحيي اللّه هذا بعد ما أرى؟ فقال: «نعم، يميتك اللّه ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم»، فنزلت هذه الآيات. رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس.

والثاني: أنه عبد اللّه بن أبي بن سلول، جرى له نحو هذه القصة، رواه العوفي عن ابن عباس.

والثالث: أنه أبو جهل ابن هشام وأن هذه القصة جرت له، رواه الضحاك عن ابن عباس.

والرابع: أنه أمية بن خلف، قاله الحسن.

والخامس: أنه أبي بن خلف الجمحي وهذه القصة جرت له، قاله مجاهد، وقتادة والجمهور وعليه المفسرون. ومعنى الكلام: التعجب من جهل هذا المخاصم في إنكاره البعث. والمعنى: ألا يعلم أنه مخلوق فيتفكر في بدء خلقه فيترك خصومته.

وقيل هذا تنبيه له على نعمة اللّه عليه حيث أنشأه من نطفة فصار مجادلا.

{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً} في إنكار البعث بالعظم البالي حين فته بيده، وتعجب ممن يقول: إن اللّه يحييه

{وَنَسِىَ خَلْقَهُ} أي: نسي خلقنا له، أي: ترك النظر في خلق نفسه، إذ خلق من نطفة.

{قَالَ مَن يُحىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ} أي: بالية يقال: رم العظم إذا بلي فهو رميم، لأنه معدول عن فاعله، وكل معدول عن وجهه و وزنه فهو مصروف عن إعرابه كقوله: {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} {مَرْيَمَ} فأسقط الهاء لأنها مصروفة عن باغية، فقاس هذا الكافر قدرة اللّه تعالى بقدرة الخلق، فأنكر إحياء العظم البالي لأن ذلك ليس في مقدور الخلق.

{قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا} أي: ابتدأ خلقها

{أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ} من الابتداء والإعادة {عَلِيمٌ}.

{ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلاْخْضَرِ نَاراً} قال ابن قتيبة: أراد الزنود التي توري بها الأعراب من شجر المرخ والعفار.

فإن قيل: لم قال الشجر الأخضر ولم يقل الشجر الخضر؟

فالجواب: أن الشجر جمع وهو يؤنث ويذكر قال اللّه تعالى: {فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ} {ٱلْوَاقِعَةُ} وقال:

{فَإِذَا أَنتُم مّنْه تُوقِدُونَ}. ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان، فقال:

{أَوَ لَيْسَ ٱلَذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضَ بِقَـٰدِرٍ} وقرأ أبو بكر الصديق، وعاصم الجحدري: {يَقْدِرُ} بياء من غير ألف

{عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم} وهذا استفهام تقرير؛ والمعنى: من قدر على ذلك العظيم، قدر على هذا اليسير. وقد فسرنا معنى

{أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم} في بني {إِسْرٰءيلَ} ثم أجاب هذا الاستفهام فقال:

{بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ} يخلق خلقا بعد خلق. وقرأ أبي بن كعب، والحسن، وعاصم الجحدري:

{وهو الخالق} {ٱلْعَلِيمُ} بجميع المعلومات. والملكوت والملك واحد. وباقي السورة قد تقدم شرحه {البقرة/ ١١٧ـ ٣٢} {ٱلاْنْعَـٰمِ}.

﴿ ٨٣