٢٥

قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـئِكَةَ} قال الزجاج: الجعل هاهنا بمعنى القول والحكم على الشيء نقول: قد جعلت زيدا أعلم الناس أي قد وصفته بذلك وحكمت به.

قال المفسرون: وجعلهم الملائكة إناثا قولهم: هن بنات اللّه.

قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، ويعقوب، وأبان عن عاصم، والشيزري عن الكسائي: {عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} بنون من غير ألف. وقرأ الباقون: {عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} ومعنى هذه القراءة جعلوا له من عباده بنات والقراءة الأولى موافقة لقوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ} [الأعراف/ ٢٠٦] وإذا كانوا في السماء كان أبعد للعلم بحالهم {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ} قرأ نافع، والمفضل عن عاصم: {أأشهدوا} بهمزتين الأولى مفتوحة والثانية مضمومة. وروى المسيبي عن نافع {أَوْ شَهِدُواْ} ممدودة من أشهدت والباقون لا يمدون. {ٱشْهَدُواْ} من شهدت أي: أحضروه فعرفوا أنهم إناث. وهذا توبيخ لهم إذ قالوا فيما يعلم بالمشاهدة من غير مشاهدة {سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ} على الملائكة أنها بنات اللّه. وقال مقاتل: لما قال اللّه عز وجل {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ} سئلوا عن ذلك فقالوا: لا. فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: فما يدريكم أنها إناث، فقالوا: سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا، فقال اللّه: {سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ وَيُسْـئَلُونَ} عنها في الآخرة. وقرأ أبو رزين، ومجاهد: {سَنَكْتُبُ} بنون مفتوحة {شَهَـٰدَتُهُمْ} بنصب التاء. ووافقهم ابن أبي عبلة في {سَنَكْتُبُ} وقرأ {شهاداتهم} بألف.

قوله تعالى: {وَيُسْـئَلُونَ وَقَالُواْ لَوْ شَاء ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُمْ} في المكني عنهم قولان:

أحدهما: أنهم الملائكة، قاله قتادة، ومقاتل في آخرين.

والثاني: الأوثان، قاله مجاهد. وإنما عنوا بهذا أنه لو لم يرض عبادتنا لها لعجل عقوبتنا فرد عليهم قولهم بقوله: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} وبعض المفسرين يقول إنما أشار بقوله: {لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} إلى ادعائهم أن الملائكة إناث قال ولم يتعرض لقولهم {لَوْ شَاء ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُمْ} لأنه قول صحيح. والذي اعتمدنا عليه أصح لأن هذه الآية كقوله: {لَوْ شَاء ٱللّه مَا أَشْرَكْنَا} [الانعام/ ١٤٨] وقوله: {أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء ٱللّه أَطْعَمَهُ} [يس/ ٤٧٠] وقد كشفنا عن هذا المعنى هنالك و{يَخْرُصُونَ} بمعنى يكذبون. وإنما كذبهم لأنهم اعتقدوا أنه رضي منهم الكفر دينا. {أَمْ ءاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰباً مّن قَبْلِهِ} أي: من قبل هذا القرآن أي بأن يعبدوا غير اللّه {فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} يأخذون بما فيه.

{بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ} أي: على سنة وملة ودين {بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا} فجعلوا أنفسهم مهتدين بمجرد تقليد الآباء من غير حجة؛ ثم أخبر أن غيرهم قد قال هذا القول، فقال: {وَكَذٰلِكَ} أي: وكما قالوا قال مترفو القرى من قبلهم {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن} بهم.

{قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ} وقرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم: {قَالَ أَوَلَوْ * جِئْتُكُم} بألف قال أبو علي فاعل: قال النذير المعنى: فقال لهم النذير. وقرأ أبو جعفر {أُوْلُو * جِئْنَـٰكُم} بألف ونون بأهدى أي: بأصوب وأرشد. قال الزجاج: ومعنى الكلام قل أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم وإن جئنكم بأهدى منه. وفي هذه الآية إبطال القول بالتقليد. قال مقاتل: فردوا على النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقالوا: {إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ} ثم رجع إلى الأمم الخالية فقال {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ} الآية.

﴿ ٢٥