٤٠

قوله تعالى: {وَمَن يَعْشُ} فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: يعرض، قاله الضحاك عن ابن عباس. وبه قال قتادة، والفراء، والزجاج.

والثاني: يعم، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال عطاء، وابن زيد.

والثالث: أنه البصر الضعيف، حكاه الماوردي. وقال أبوعبيدة: تظلم عينه عنه. وقال الفراء: من قرأ يعش فمعناه يعرض ومن نصب الشين أراد يعم عنه. قال ابن قتيبة: لا أرى القول إلا قول أبي عبيدة ولم نر أحدا يجيز عشوت عن الشيء أعرضت عنه إنما يقال: تعاشيت عن كذا أي تغافلت عنه كأني لم أره. ومثله تعاميت والعرب تقول: عشوت إلى النار إذا استدللت إليها ببصر ضعيف، قال الحطيئة: متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقدومنه حديث ابن المسيب: أن إحدى عينيه ذهبت وهو يعشو بالأخرى، أي: يبصر بها بصرا ضعيفا.

قال المفسرون: ومن يعش عن ذكر الرحمن فلم يخف عقابه ولم يلتفت إلى كلامه نقيض له أي: نسبب له شيطانا فنجعل ذلك جزاءه فهو له قرين لا يفارقه. {وَإِنَّهُمْ} يعني الشياطين {لَيَصُدُّونَهُمْ} يعني الكافرين، أي: يمنعونهم عن سبيل الهدى وإنما جمع لأن {مِنْ} في موضع جمع {وَيَحْسَبُونَ} يعني كفار بني آدم أنهم على هدى. {حَتَّىٰ إِذَا جَاءنَا} وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: {جَاءنَا} واحد يعني الكافر. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: {جاءانا} بألفين على التثنية يعنون الكافر وشيطانه.

وجاء في التفسير: أنهما يجعلان يوم البعث في سلسلة، فلا يفترقان حتى يصيرهما اللّه إلى النار، {وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ} الكافر للشيطان: {قَالَ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ} أي: بعدما بين المشرقين وفيهما قولان:

أحدهما: أنهما مشرق الشمس في أقصر يوم في السنة، ومشرقها في أطول يوم، قاله ابن السائب، ومقاتل.

والثاني: أنه أراد المشرق والمغرب فغلب ذكر المشرق كما قالوا سنة العمرين يريدون أبا بكر وعمر، وانشدوا من ذلك: اخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع يريد: الشمس والقمر؛ وانشدوا: فبصرة الأزد منا والعراق لنا والموصلان ومنا مصر والحرم يريد: الجزيرة والموصل، وهذا اختيار الفراء، والزجاج.

قوله تعالى: {فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ} أي: أنت أيها الشيطان. ويقول اللّه عز وجل يومئذ للكفار: {وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ} أي: أشركتم في الدنيا {أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} أي: لن ينفعكم الشركة في العذاب لأن لكل واحد منه الحظ الأوفر. قال المبرد: منعوا روح التأسي لأن التأسي يسهل المصيبة، وأنشد للخنساء أخت صخر بن مالك في هذا المعنى: ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي وقرأ ابن عامر: {إِنَّكُمْ} بكسر الألف. ثم أخبر عنهم بما سبق لهم من الشقاوة بقوله: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ} الآية.

﴿ ٤٠