١٠

قوله تعالى: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ ٱلرُّسُلِ} أي: ما أنا بأول رسول والبدع والبديع من كل شيء المبتدأ {وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ} وقرأ ابن يعمر، وابن أبي عبلة:

ما يفعل بفتح الياء ثم فيه قولان:

أحدهما: أنه أراد بذلك ما يكون في الدنيا. ثم فيه قولان:

أحدهما: أنه لما اشتد البلاء بأصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، رأى في المنام أنه هاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء، فقصها على أصحابه، فاستبشروا بذلك لما يلقون من أذى المشركين. ثم إنهم مكثوا برهة لا يرون ذلك، فقالوا: يا رسول اللّه متى تهاجر إلى الأرض التي رأيت؟ فسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فأنزل اللّه تعالى: {وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ} يعني: لا أدري، اخرج إلى الموضع الذي رأيته في منامي أم لا؟ ثم قال: إنما هو شيء رايته في منامي، وما {أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ} رواه أبو صالح عن ابن عباس. وكذلك قال عطية ما أدري هل يتركني بمكة أو يخرجني منها.

والثاني: ما أدري هل أخرج كما أخرج الأنبياء قبلي أو أقتل كما قتلوا ولا أدري ما يفعل بكم أتعذبون أم تؤخرون أتصدقون أم تكذبون. قاله الحسن.

والقول الثاني: أنه أراد ما يكون في الآخرة. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية نزل بعدها {لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللّه مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح/ ٢] وقال: {لّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ} الآية [الفتح/ ٥] فأعلم ما يفعل به وبالمؤمنين.

وقيل: إن المشركين فرحوا عند نزول هذه الآية وقالوا: ما أمرنا وأمر محمد إلا واحد ولولا أنه ابتدع ما يقوله لأخبره الذي بعثه بما يفعل به فنزل قوله: {لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللّه} الآية [الفتح/ ٢] فقال الصحابة: هنيئا لك يا رسول اللّه فماذا يفعل بنا؟فنزلت {لّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ} الآية [الفتح/ ٥] وممن ذهب إلى هذا القول أنس وعكرمة، وقتادة، وروي عن الحسن ذلك.

قوله تعالى: {قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللّه} يعني القرآن {وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إِسْرٰءيلَ} وفيه قولان:

أحدهما: أنه عبد اللّه بن سلام، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد.

والثاني: أنه موسى بن عمران عليه السلام، قاله الشعبي، ومسروق. فعلى القول الأول يكون ذكر المثل صلة، فيكون المعنى: وشهد شاهد من بني إسرائيل عليه، أي: على أنه من عند اللّه، {فَـئَامَنَ} الشاهد، وهو ابن سلام {وَٱسْتَكْبَرْتُمْ} يا معشر اليهود. وعلى الثاني: يكون المعنى: وشهد موسى على التوراة التي هي مثل القرآن أنها من عند اللّه كما شهد محمد على القرآن أنه كلام اللّه فآمن من آمن بموسى والتوراة، واستكبرتم أنتم يا معشر العرب أن تؤمنوا بمحمد والقرآن.

فإن قيل: أين جواب إن؟

قيل: هو مضمر وفي تقديره ستة أقوال:

أحدها: أن جوابه فمن أضل منكم، قاله الحسن.

والثاني: أن تقدير الكلام وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن أتؤمنون، قاله الزجاج.

والثالث: أن تقديره أتأمنون عقوبة اللّه، قاله أبو علي الفارسي.

والرابع: أن تقديره أفما تهلكون، ذكره الماوردي.

والخامس: من المحق منا ومنكم ومن المبطل، ذكره الثعلبي.

والسادس: أن تقديره أليس قد ظلمتم ويدل على هذا المحذوف قوله: {إِنَّ ٱللّه لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} ذكره الواحدي.

﴿ ١٠