٦

قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: بتوحيد اللّه {وَصَدُّواْ} الناس عن الإيمان به وهم مشركو قريش {أَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ} أي: أبطلها، ولم يجعل لها ثوابا، فكأنها لم تكن وقد كانوا يطعمون الطعام، ويصلون الأرحام، ويتصدقون، ويفعلون ما يعتقدونه قربة. {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} يعني: أصحاب محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. {وَءامَنُواْ بِمَا نُزّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ} وقرأ ابن مسعود {نَزَّلَ} بفتح النون والزاي وتشديدها. وقرأ أبي بن كعب، ومعاذ القارىء: {أنزَلَ} بهمزة مضمومة مكسورة الزاي. وقرأ أبو رزين، وأبو الجوزاء، وأبو عمران: {نَزَّلَ} بفتح النون والزاي وتخفيفها {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ} أي: غفرها لهم {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} أي: حالهم، قاله قتادة، والمبرد.

قوله تعالى: {ذٰلِكَ} قال الزجاج: معناه: الأمر ذلك، وجائز أن يكون: ذلك الإضلال، لاتباعهم الباطل، وتلك الهداية والكفارات باتباع المؤمنين الحق، {كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللّه لِلنَّاسِ أَمْثَـٰلَهُمْ} أي: كذلك يبين أمثلا حسنات المؤمنين وسيئات الكافرين كهذا البيان.

قوله تعالى: {فَضَرْبَ ٱلرّقَابِ} إغراء، والمعنى:فاقتلوهم لأن الأغلب في موضع القتل ضرب العنق {حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ} أي: أكثرتم فيهم القتل {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ} يعني في الأسر، وإنما يكون الأسر بعد المبالغة في القتل. والوثاق اسم من الإيثاق تقول: أوثقته إيثاقا ووثاقا إذا شددت أسره لئلا يفلت {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ} قال أبو عبيدة: إما أن تمنوا وإما أن تفادوا، ومثله سقيا ورعيا وإنما هو سقيت ورعيت. وقال الزجاج: إما مننتم عليهم بعد أن تأسروهم منا وإما أطلقتموهم بفداء. فصل وهذه الآية محكمة عند عامة العلماء. وممن ذهب إلى أن حكم المن والفداء باق لم ينسخ: ابن عمر، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وأحمد، والشافعي. وذهب قوم إلى نسخ المن والفداء بقوله: {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} وممن ذهب إلى هذا ابن جريج والسدي وأبو حنيفة. وقد أشرنا إلى القولين في [براءة/ ٥]. قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} قال ابن عباس: حتى لا يبقى أحد من المشركين. وقال مجاهد: حتى لا يكون دين إلا دين الإسلام. وقال سعيد بن جبير: حتى يخرج المسيح. وقال الفراء: حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم. وفي معنى الكلام قولان:

أحدهما: حتى يضع أهل الحرب سلاحهم، قال الأعشى: وأعددت للحرب أوزارها رماحا طوالا وخيلا ذكوراوأصل الوزر ما حملته، فسمي السلاح أوزارا لأنه يحمل، هذا قول ابن قتيبة.

والثاني: حتى تضع حربكم وقتالكم أوزار المشركين وقبائح أعمالهم بأن يسلموا ولا يعبدوا إلا اللّه، ذكره الواحدي.

قوله تعالى: {ذٰلِكَ} أي: الأمر ذلك الذي ذكرنا {وَلَوْ يَشَاء اللّه لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ} بإهلاكهم أوتغذيتهم بما شاء {وَلَـٰكِنِ} أمركم بالحرب {لّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} فيثيب المؤمن ويكرمه بالشهادة ويخزي الكافر بالقتل والعذاب.

قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ} قرأ أبو عمرو، وحفص عن عاصم: {قَـٰتِلُواْ} بضم القاف وكسر التاء. والباقون: {قَاتَلُواْ} بألف.

قوله تعالى: {سَيَهْدِيهِمْ} فيه أربعة أقوال:

أحدها: يهديهم إلى أرشد الأمور، قاله ابن عباس.

والثاني: يحقق لهم الهداية، قاله الحسن.

والثالث: إلى محاجة منكر ونكير.

والرابع: إلى طريق الجنة، حكاهما الماوردي.

وفي قوله:{عَرَّفَهَا لَهُمْ} قولان:

أحدهما: عرفهم منازلهم فيها فلا يستدلون عليها ولا يخطئونها. هذا قول الجمهور منهم مجاهد وقتادة، واختاره الفراء وأبو عبيدة.

والثاني: طيبها لهم، رواه عطاء عن ابن عباس. قال ابن قتيبة: وهو قول أصحاب اللغة يقال: طعام معرف، أي: مطيب.

وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء وابن محيصن: {عَرَّفَهَا لَهُمْ} بتخفيف الراء.

﴿ ٦