|
٤٠ {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر؛ وحمزة، والكسائي: «يوم نقول» بالنون المفتوحة وضم القاف. وقرأ نافع، وابو بكر، والمفضل عن عاصم: «يوم يقول» بالياء المفتوحة وضم القاف. وقرأ أبي بن كعب، والحسن، وعبد الوارث عن أبي عمرو: «يوم يقال» بياء مضمومة وفتح القاف وإثبات ألف. قال الزجاج: وانتصاب «يوم» على وجهين، أحدهما: على معنى: ما يبدل القول لدي في ذلك اليوم. والثاني: على معنى: وأنذرهم يوم نقول لجهنم. فأما فائدة سؤاله إياها، وقد علم هل امتلأت أم لا، فإنه توبيخ لمن أدخلها، وزيادة في مكروهه، ودليل على تصديق قوله: {لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ} [الأعراف:١٨]. وفي قولها: {هَلْ مِن مَّزِيدٍ} قولان عند أهل اللغة. أحدهما: أنها تقول ذلك بعد امتلائها، فالمعنى: هل بقي في موضع لم يمتلىء؟ أي: قد امتلأت. والثاني: أنها تقول تغيظا على من عصى اللّه تعالى، وجعل اللّه فيها أن تميز وتخاطب، كما جعل في النملة أن قالت: {ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ} [النمل:١٨] وفي المخلوقات أن تسبح بحمده. قوله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} أي: قربت للمتقين الشرك {غَيْرَ بَعِيدٍ} أي: جعلت عن يمين العرش حيث يراها أهل الموقف، ويقال لهم:{هَـٰذَا} الذي ترونه {مَّا تُوعَدُونَ} وقرأ عثمان بن عفان، وابن عمر، ومجاهد، وعكرمة، وابن محيصن: «يوعدون» بالياء {لِكُلّ أَوَّابٍ} وفيه أقوال قد ذكرناها في [بني إسرائيل: ٢٥] وفي {حَفِيظٌ} قولان: أحدهما: الحافظ لذنوبه حتى يرجع عنها، قاله ابن عباس. والثاني: الحافظ لأمر اللّه تعالى، قاله مقاتل. قوله تعالى: {مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} قد بيناه في [الأنبياء: ٤٩] {وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} أي: راجع إلى طاعة اللّه عن معصيته. {ٱدْخُلُوهَا} أي: يقال لهم: أدخلوا الجنة {بِسَلامٍ} وذلك أنهم سلموا من عذاب اللّه، وسلموا فيها من الغموم والتغير والزوال، وسلم اللّه وملائكته عليهم {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ} في الجنة، لأنه لا موت فيها ولا زوال. {لَهُمْ مَّا يَشَآءونَ * فِيهَا} وذلك أنهم يسألون اللّه حتى تنتهي مسائلهم، فيعطون ما شاؤوا؛ ثم يزيدهم ما لم يسألوا، فذلك قوله: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} وللمفسرين في المراد بهذا المزيد ثلاثة أقوال: أحدها: أنه النظر إلى اللّه عزل وجل، روى علي رضي اللّه عنه عن النبي عليه السلام في قوله: «ولدينا مزيد» قال: يتجلى لهم. وقال أنس بن مالك: في قوله «ولدينا مزيد» يتجلى لهم الرب تعالى في كل جمعة. والثاني: أن السحاب يمر بأهل الجنة، فيمطرهم الحور فتقول الحور: نحن اللواتي قال اللّه عزل وجل: «ولدينا مزيد» حكاه الزجاج. والثالث: أن الزيادة على ما تمنوه وسألوا مما لم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب، بشر ذكره أبول سليمان الدمشقي. ثم خوف كفار مكة بما بعد هذا إلى قوله: {فَنَقَّبُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ} قرأ الجمهور «فنَقَّبُوا» بفتح النون والقاف مع تشديدها. وقرأ أبي بن كعب، وابن عباس، والحسن، وابن السميفع، ويحيى بن يعمر كذلك، إلا أنهم كسروا القاف على جهة الأمر تهددا. وقرأ عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، وابن أبي عبلة، وعبيد عن أبي عمر، «فنَقَبوا» بفتح القاف وتخفيفها. قال الفراء: ومعنى فنقبوا ساروا في البلاد، فهل كان لهم من الموت {مِن مَّحِيصٍ} فأضمرت {كَانَ} ها هنا، كقوله: {أَهْلَكْنَـٰهُمْ فَلاَ نَـٰصِرَ لَهُمْ} [محمد:١٣] أي: فلم يكن لهم ناصر ومن قرأ «فنقِبوا» بكسر القاف، فإنه كالوعيد؛ والمعنى: اذهبوا في البلاد وجيئوا فهل من الموت من محيص؟ٰ وقال الزجاج «نقبوا»: طوقوا وفتشوا، فلم تروا محيصا من الموت. قال امرؤ القيس: لقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة فأما المحيص فهو المعدل؛ وقد استوفينا شرحه في {سُورَةٌ ٱلنّسَاء}. قوله تعالى: {إِنَّ فِى ذَلِكَ} يعني الذي ذكره من إهلاك القرى {لِذِكْرِى} أي: تذكرة وعظة {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} قال ابن عباس: أي: عقل. قال الفراء: وهذا جائز في اللغة أن تقول ما لك قلب، وما معك قلبك، تريد العقل. وقال ابن قتيبة: لما كان القلب موضعا للعقل كنى به عنه. وقال الزجاج: المعنى: لمن صرف قلبه إلى التفهم، {أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ} أي: استمع مني وهو شهيد أي: وقلبه فيما يسمع. وقال الفراء: وهو شهيد أي: شاهد ليس بغائب. قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ} ذكر المفسرون أن اليهود قالت: خلق اللّه السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، آخرها يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، فلذلك لا نعمل فيه شيئا فنزلت هذه الآيات، فأكذبهم اللّه عز وجل بقوله: {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} قال الزجاج: واللغوب التعب والإعياء. قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} أي: من بهتهم وكذبهم قال المفسرون ونسخ معنى قوله فاصبر بآية السيف {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ} أي: صل بالثناء على ربك والتنزيه له مما يقول المبطلون {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ} وهي صلاة الفجر {وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ} فيها قولان: أحدهما: صلاة الظهر والعصر، قاله ابن عباس. والثاني: صلاة العصر، قاله قتادة. وروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث جرير بن عبد اللّه، قال كنا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة البدر، فقال: إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب فافعلوا. وقرأ فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب. قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبّحْهُ} فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها صلاة الليل كله، أي: وقت صلى منه، قاله مجاهد. والثاني: صلاة العشاء، قاله ابن زيد. والثالث: صلاة المغرب والعشاء قاله مقاتل. قوله تعالى: {وَأَدْبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ} قرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة، وخلف بكسر الهمزة؛ وقرأ الباقون بفتحها. قال الزجاج: من فتح ألف أدبار فهو جمع دبر، ومن كسرها فهو مصدر:أدبر يدبر إدبارا. وللمفسرين في هذا التسبيح ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الركعتان بعد صلاة المغرب روي عن عمر، وعلي، والحسن بن علي رضي اللّه عنهم، وأبي هريرة، والحسن، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وقتادة، في آخرين وهو رواية العوفي عن ابن عباس. والثاني: أنه النوافل بعد المفروضات قاله ابن زيد. والثالث: أنه التسبيح باللسان في أدبار الصلوات المكتوبات رواه مجاهد عن ابن عباس وروي عن أبي الأحوص أنه قال في جميع التسبيح المذكور في هاتين الآيتين كذلك. |
﴿ ٤٠ ﴾