٥٦

قوله تعالى: {مَا أَصْحَـٰبُ ٱلشّمَالِ} قد بينا أنه بمعنى التعجب من حالهم؛ والمعنى: ما لهم، وما أعد لهم من الشر؟ٰ ثم بين لهم سوء منقلبهم فقال: {فِى سَمُومٍ} قال ابن قتيبة: هو حر النار.

قوله تعالى: {وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ} قال ابن عباس: ظل من دخان. قال الفراء: اليحموم: الدخان الأسود، {لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ} فوجه الكلام الخفض تبعا لما قبله، ومثله {زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} [النور: ٣٥]، وكذلك قوله: {وَفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ}، ولو رفعت ما بعد «لا» كان صوابا، والعرب تجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا ينوي به الذم، فتقول: ما هذه الدار بواسعة ولا كريمة، وما هذا بسمين ولا كريم. قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر.

قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ} أي: في الدنيا {مُتْرَفِينَ} أي: متنعمين في ترك أمر اللّه، فشغلهم ترفهم عن الاعتبار والتعبد. {وَكَانُواْ يُصِرُّونَ} أي: يقيمون {عَلَى ٱلْحِنثِ} وفيه أربعة أقوال:

أحدها: أنه الشرك، قاله ابن عباس، والحسن، والضحاك، وابن زيد.

والثاني: الذنب العظيم الذي لا يتوبون منه، قاله مجاهد. وعن قتادة كالقولين.

والثالث: أنه اليمين الغموس، قاله الشعبي.

والرابع: الشرك والكفر بالبعث، قاله الزجاج.

قوله تعالى: {أَوَ ءابَاؤُنَا ٱلاْوَّلُونَ} قال أبو عبيدة:الواو متحركة لأنها ليست بواو «أو» إنما هي «وآباؤنا»، فدخلت عليها ألف الاستفهام فتركت مفتوحة. وقرأ أهل المدينة، وابن عامر: «أو آباؤنا» بإسكان الواو. وقد سبق بيان ما لم يذكر ها هنا [هود ١٠٣، الصافات ٦٢، الأنعام ٧٠] إلى قوله: {فَشَـٰرِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ} قرأ أهل المدينة، وعاصم، وحمزة: «شرب» بضم الشين؛ والباقون بفتحها. قال الفراء: والعرب تقول: شربته شربا، وأكثر أهل نجد يقولون: شربا بالفتح، أنشدني عامتهم:

تكفيه حزة فلذ إن ألم بها من الشواء ويكفي شربه الغمر

وزعم الكسائي أن قوما من بني سعد بن تميم يقولون: «شرب الهيم» بالكسر. وقال الزجاج: «الشرب» المصدر، و«الشرب» بالضم: الاسم، قال: وقد قيل: إنه مصدر أيضا. وفي «الهيم» قولان:

أحدهما: الإبل العطاش، رواه ابن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، وعطاء، والضحاك، وقتادة. قال ابن قتيبة: هي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، يقال: بعير أهيم، وناقة هيماء.

والثاني: أنها الأرض الرملة التي لا تروى من الماء، وهو مروي عن ابن عباس أيضا. قال أبو عبيدة: الهيم: ما لا يروى من رمل أو بعير.

قوله تعالى: {هَـٰذَا نُزُلُهُمْ} أي: رزقهم. ورواه عباس عن أبي عمرو: «نزلهم» بسكون الزاي، أي: رزقهم و طعامهم. و فى «الدين» قولان قد ذكرناهما فى «الفاتحة».

﴿ ٥٦