|
٤١ قوله تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَـٰهُمْ} يعني: أهل مكة، أي: ابتليناهم بالجوع، والقحط {كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ} حين هلكت جنتهم. وهذه الإشارة إلى قصتهم ذكر أهل التفسر أن رجلا كان بناحية اليمن له بستان، وكان مؤمنا. وذلك بعد عيسى بن مريم عليهما السلام، وكان يأخذ منه قدر قوته، وكان يتصدق بالباقي. وقيل: كان يترك للمساكين ما تعداه المنجل، وما يسقط من رؤوس النخل، وما ينتثر عند الدِّراس، فكان يجتمع من هذا شيء كثير، فمات الرجل عن ثلاث بنين، فقالوا: واللّه إن المال لقليل، وإن العيال لكثير، وإنما كان أبونا يفعل هذا إذ كان المال كثيرا،والعيال قليلا، وأما الآن فلا نستطيع أن نفعل هذا. فعزموا على حرمان المساكين، وتحالفوا بينهم ليغدن قبل خروج الناس، فليصرمن نخلهم، فذلك قوله تعالى: {إِذْ أَقْسَمُواْ} أي: حلفوا {لَيَصْرِمُنَّهَا} أي: ليقطعن نخلهم {مُّصْبِحِينَ} أي: في أول الصباح. وقد بقيت من الليل ظلمة لئلا يبقى للمساكين شيء. وفي قوله تعالى: {وَلاَ يَسْتَثْنُونَ} قولان: احدهما: لا يقولون: إن شاء اللّه قاله الأكثرون. والثاني: لا يستثنون حق المساكين، قاله عكرمة {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبّكَ} أي: من أمر ربك. قال الفراء: الطائف لا يكون إلا بالليل. قال المفسرون: بعث اللّه عليها نارا بالليل، فاحترقت، فصارت سوداء، فذلك قوله تعالى: {فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ} وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: كالرماد الأسود، قاله ابن عباس. والثاني: كالليل المسود، قاله الفراء. وكذلك قال ابن قتيبة: أصبحت سوداء كالليل محترقة. والليل: هو الصريم، والصبح أيضا: صريم، لأن كل واحد منهما ينصرم عن صاحبه. والثالث: أصبحت وقد ذهب ما فيها من الثمر، فكأنه قد صرم، أي: قطع، وجذ حكاه ابن قتيبة أيضا. قوله تعالى: {فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ} أي: نادى بعضهم بعضا لما أصبحوا {أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ} يعني: الثمار والزروع والأعناب {إِن كُنتُمْ صَـٰرِمِينَ} أي: قاطعين للنخل، {فَٱنطَلَقُواْ} أي: ذهبوا إلى جنتهم {وَهُمْ يَتَخَـٰفَتُونَ} قال ابن قتيبة: يتساررون ب {أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين وغدوا على حرد} فيه ثمانية أقوال: احدهما: على قدرة، قاله ابن عباس. والثاني: على فاقة، قاله الحسن في رواية. والثالث: على جد، قاله الحسن في رواية، وقتادة، وأبو العالية، والفراء، ومقاتل. والرابع: على أمر مجمع قد أسسوه بينهم، قاله مجاهد، وعكرمة. والخامس: أن الحرد: اسم الجنة، قاله السدي. والسادس: أنه الحنق والغضب على المساكين، قاله الشعبي، وسفيان. وأنشد أبو عبيدة: أسود شرى لاقت أسود خفية تساقوا على حرد دماء الأساود والسابع: أنه المنع مأخوذ من حاردت السنة فليس فيها مطر، وحاردت الناقة فليس لها لبن، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة. والثامن: أنه القصد. يقال: حَرَدْتُ حَرْدَكَ، أي: قَصَدْتُ قَصْدَكَ، حكاه الفراء، وأبو عبيدة، وابن قتيبة. وانشدوا: قد جاء سيل كان من أمر اللّه يحرد حرد الجنة المغلةأي: يقصد قصدها. قال ابن قتيبة: وفيها لغتان: حَرَدُّ، وحَرْدُّ، كما يقال: الدَّرَك، والدَّرْك. وفي قوله تعالى: {قَـٰدِرِينَ} ثلاثة أقوال: أحدها: قادرين على جنتهم عند أنفسهم، قاله قتادة. والثاني: قادرين على المساكين، قاله الشعبي. والثالث: أن المعنى: منعوا وهم قادرون، أي: واجدون، قاله ابن قتيبة. قالوا: {فَلَمَّا رَأَوْهَا} محترقة {قَالُواْ إِنَّا لَضَالُّونَ} أي: قد ضللنا طريق جنتنا، فليست هذه. ثم علموا أنها عقوبة، فقالوا: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} أي: حرمنا ثمر جنتنا بمنعنا المسكين {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} أي: أعدلهم، وأفضلهم {لَوْلاَ} أي: هلا {تُسَبّحُونَ} وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: هلا تستثنون عند قولكم: «ليصرمنها مصبحين» قاله ابن جريج والجمهور. والمعنى: هلا قلتم: إن شاء اللّه. قال الزجاج: وإنما قيل للاستثناء: تسبيح، لأن التسبيح في اللغة: تنزيه اللّه عز وجل عن السوء. والاستثناء تعظيم للّه، وإقرار بأنه لا يقدر أحد أن يفعل فعلا إلا بمشيئة اللّه. والثاني: أنه كان استثناؤهم قول: «سبحان اللّه»، قاله أبو صالح. والثالث: هلا تسبحون اللّه وتشكرونه على ما أعطاكم، حكاه الثعلبي. وقوله تعالى: {قَالُواْ سُبْحَـٰنَ رَبّنَا} فنزهوه أن يكون ظالما فيما صنع، وأقروا على أنفسهم بالظلم فقالوا: {إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ} بمنعنا المساكين {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَـٰوَمُونَ} أي: يلوم بعضهم بعضا في منع المساكين حقوقهم. يقول هذا لهذا: أنت أشرت علينا، ويقول الآخر: أنت فعلت، ثم نادوا على أنفسهم بالويل فقالوا: {قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَـٰغِينَ} حين لم نصنع ما صنع آباؤنا، ثم رجعوا إلى اللّه تعالى فسألوه أن يبدلهم خيرا منها، فذلك قوله: {عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مّنْهَا}. وقرأ قوم: «يبدلنا» بالتخفيف، وهما لغتان. وفرق قوم بينهما فقالوا: التبديل: تغيير حال الشيء وصفته والعين باقية. والإبدال: إزالة الشيء ووضع غيره مكانه. ونقل أن القوم أخلصوا، فبدلهم اللّه جنة العنقود منها وقر بغل. قوله تعالى: {كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ} ما فعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا.وها هنا انتهت قصة أهل الجنة. ثم قال تعالى: {وَلَعَذَابُ ٱلاْخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} يعني: المشركين. ثم ذكر ما للمتقين عنده بما بعد هذا، فقال المشركون: إنا لنعطى في الآخرة أفضل مما تعطون، فقال تعالى مكذبا لهم {أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ} قال الزجاج: هذه ألف الاستفهام مجازها ها هنا مجاز التوبيخ، والتقرير. قوله تعالى: {كَيْفَ تَحْكُمُونَ} أي: كيف تقضون بالجور {أَمْ لَكُمْ كِتَـٰبٌ} أنزل من عند اللّه {فِيهِ} هذا {تَدْرُسُونَ} أي: تقرؤون ما فيه {إِنَّ لَكُمْ} في ذلك الكتاب {لَمَا تَخَيَّرُونَ} أي: ما تختارون وتشتهون. وقرأ أبو الجوزاء، وعاصم الجحدري، وأبو عمران: «أن لكم» بفتح الهمزة. وهذا تقريع لهم، وتوبيخ على ما يتمنون من الباطل «سلهم أيهم بذلك زعيم» {أَمْ لَكُمْ أَيْمَـٰنٌ عَلَيْنَا بَـٰلِغَةٌ} أي: ألكم عهود على اللّه تعالى حلف لك على ما تدعون بأيمان بالغة، أي: مؤكدة. وكل شيء متناه في الجودة والصحة فهو بالغ. ويجوز أن يكون المعنى: بالغة إلى يوم القيامة، أي: تبلغ تلك الأيمان إلى يوم القيامة في لزومها وتوكيدها {إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} لأنفسكم به من الخير والكرامة عند اللّه تعالى. قال الفراء: والقراء على رفع «بالغة» إلا الحسن فإنه نصبها على مذهب المصدر، كقوله تعالى: {حَقّاً} [الروم:٤٧] ومعنى الآية: هل لكم أيمان علينا بالغة بأن لكم ما تحكمون؟ٰ فلما كانت اللام في جواب «إن» كسرتها. قوله تعالى: {سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذٰلِكَ زَعِيمٌ} فيه قولان: احدهما: أنه الكفيل، قاله ابن عباس، وقتادة. والمعنى: أيهم كفل بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين من الخير. والثاني: أنه الرسول، قاله الحسن. قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء} يعني: الأصنام التي جعلوها شركاء للّه تعالى، والمعنى: ألهم أرباب يفعلون بهم هذا الذي زعموا. وقيل: يشهدون لهم بصدق ما ادعوا {فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُواْ صَـٰدِقِينَ} في أنها شركاء اللّه وإنما أضيف الشركاء إليهم لادعائهم أنهم شركاء اللّه. |
﴿ ٤٢ ﴾