|
٥٦ قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} فيه ثلاثة أقوال: أحدها: كل نفس بالغة مرتهنة بعملها لتحاسب عليه {إِلاَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْيَمِينِ} وهم أطفال المسلمين، فإنه لا حساب عليهم، لأنه لا ذنوب لهم، قاله علي، واختاره الفراء. والثاني: كل نفس من أهل النار مرتهنة في النار، إلا أصحاب اليمين، وهم المؤمنون، فإنهم في الجنة قاله الضحاك. والثالث: كل نفس مرتهنة بعملها لتحاسب عليه إلا أصحاب اليمين، فإنهم لا يحاسبون، قاله ابن جريج. قوله تعالى: {يَتَسَاءلُونَ عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ} قال مقاتل: إذا خرج أهل التوحيد من النار قال المؤمنون لمن بقي في النار {مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ} قال المفسرون: سلككم بمعنى: أدخلكم. وقال مقاتل: ما حبسكم فيها؟ {قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلّينَ} للّه في دار الدنيا {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ} أي: لم نتصدق للّه {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَائِضِينَ} أهل الباطل والتكذيب {وَكُنَّا نُكَذّبُ بِيَوْمِ ٱلدّينِ} أي: بيوم الجزاء والحساب {حَتَّىٰ أَتَـٰنَا ٱلْيَقِينُ} وهو الموت. يقول اللّه تعالى: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّـٰفِعِينَ} وهذا إنما جرى بعد شفاعة الأنبياء والملائكة والشهداء والمؤمنين. وهذا يدل على نفع الشفاعة لمن آمن {فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} يعني:كفار قريش حين نفروا من القرآن والتذكير بمواعظه. والمعنى: لا شيء لهم في الآخرة إذ أعرضوا عن القرآن فلم يؤمنوا به، ثم شبههم في نفورهم عنه بالحمر، فقال تعالى: {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ} قرأ أبو جعفر، ونافع، وابن عامر، والمفضل عن عاصم: بفتح الفاء. والباقون: بكسرها. قال أبو عبيدة، وابن قتيبة: من قرأ بفتح الفاء أراد: مذعورة، استنفرت فنفرت. ومن قرأ بكسر الفاء أراد نافرة: قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: حمر مستنفرة. وناس من العرب يكسرون الفاء. والفتح أكثر في كلام العرب. وقراءتنا بالكسر. أنشدني الكسائي: احبس حمارك إنه مستنفر في إثر أحمرة عمدن لغرب و«غرب» موضع. وفي «القسورة» سبعة أقوال: أحدها: أنه الأسد، رواه يوسف بن مهران، عن ابن عباس، وبه قال أبو هريرة، وزيد بن أسلم، وابنه. قال ابن عباس: الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت منه، فكذلك هؤلاء المشركون إذا سمعوا النبي صلى اللّه عليه وسلم هربوا منه، وإلى هذا ذهب أبو عبيدة، والزجاج. قال ابن قتيبة: كأنه من القسر والقهر، فالأسد يقهر السباع. والثاني: أن القسورة، الرماة، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال أبو موسى الأشعري، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، ومقاتل، وابن كيسان. والثالث: أن القسورة: حبال الصيادين، رواه عكرمة، عن ابن عباس. والرابع: أنهم عصب الرجال، رواه أبو حمزة عن ابن عباس. واسم أبي حمزة: نصر بن عمران الضبعي. والخامس: أنه ركز الناس، وهذا في رواية عطاء أيضا عن ابن عباس. وركز الناس: حسهم وأصواتهم. والسادس: أنه الظلمة والليل، قاله عكرمة. والسابع: أنه النبل، قاله قتادة. قوله تعالى: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم: إن سرك أن نتبعك، فليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من اللّه تعالى إلى فلان بن فلان يؤمر فيه باتباعك، قاله الجمهور. والثاني: أنهم أرادوا براءة من النار أن لا يعذبوا بها، قاله أبو صالح. والثالث: أنهم قالوا: كان الرجل إذا أذنب في بني إسرائيل وجده مكتوبا إذا أصبح في رقعة. فما بالنا لا نرى ذلك؟ فنزلت هذه الآية، قاله الفراء. فقال اللّه تعالى: {كَلاَّ} أي: لا يؤتون الصحف {بَل لاَّ يَخَافُونَ ٱلاْخِرَةَ} أي:لا يخشون عذابها. والمعنى: أنهم لو خافوا النار لما اقترحوا الآيات بعد قيام الدلالة {كَلاَّ} أي: حقا وقيل: معنى {كَلاَّ} ليس الأمر كما يريدون ويقولون {إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ} أي: تذكير وموعظة {فَمَن شَاء ذَكَرَهُ} الهاء عائدة على القرآن فالمعنى: فمن شاء أن يذكر القرآن ويتعظ به ويفهمه، ذكره. ثم رد المشيئة إلى نفسه فقال تعالى: {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللّه} أي: إلا أن يريد لهم الهدى {هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ} أي: أهل أن يتقى {وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ} أي: أهل أن يغفر لمن تاب. روى أنس عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه تلا هذه الآية، فقال: قال ربكم عز وجل: أنا أهل أن أتقى، فلا يشرك بي غيري. وأنا أهل لمن اتقى أن يشرك بي غيري أن أغفر له. |
﴿ ٥٦ ﴾