٣٠

قوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلإِنسَـٰنُ} فيمن عنى به أربعة أقوال:

أحدها: عتبة بن ربيعة، وأبو حذيفة بن المغيرة، رواه عن ابن عباس.

والثاني: أبي بن خلف، قاله ابن السائب.

والثالث: أمية بن خلف، قاله مقاتل.

والرابع: أنه الكافر الذي لا يؤمن بالبعث، قال الزجاج: وابتلاه بمعنى اختبره بالغنى واليسر {فَأَكْرَمَهُ} بالمال {وَنَعَّمَهُ} بما وسع عليه من الإفضال

{فَيَقُولُ رَبّى} فتح ياء «ربيَ» «أكرمنيَ» «ربيَ» «أهاننيَ» أهل الحجاز، وأبو عمرو، أي: فضلني بما أعطاني، ويظن أن ما أعطاه من الدنيا لكرامته عليه

{أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ٱبْتَلَـٰهُ} بالفقر {فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} وقرأ أبو جعفر، وابن عامر «فقدَّر» بتشديد الدال والمعنى: ضيق عليه بأن جعله على مقدار البلغة

{فَيَقُولُ رَبّى} أي: هذا الهوان منه لي حين أذلني بالفقر.

واعلم أن من لا يؤمن بالبعث، فالكرامة عنده زيادة الدنيا، والهوان قلتها.

قوله تعالى: {فَاقِرَةٌ كَلاَّ} أي: ليس الأمر كما يظن. قال مقاتل: ما أعطيت {مِنْ} هذا الغنى لكرامته علي، ولا أفقرت من أفقرت لهوانه علي، وقال الفراء: المعنى: لم يكن ينبغي له أن يكون هكذا، إنما ينبغي أن يحمد اللّه على الأمرين: الفقر،

والغنى. ثم أخبر عن الكفار فقال تعالى: {كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ} قرأ أهل البصرة «يُكرِمون» و «يَحُضُّون» و «يَأْكُلون» و :يُحِبُون» بالياء فيهن، والباقون بالتاء. ومعنى الآية: إني أهنت من أهنت من أجل أنه لا يكرم اليتيم.

والآية تحتمل معنيين.

احدهما: أنهم كانوا لا يبرونه.

والثاني: لا يعطونه حقه من الميراث وكذلك كانت عادة الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان. ويدل على المعنى الأول قوله تعالى: {وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} قرأ أبو جعفر، وأهل الكوفة «تحاضون» بألف مع فتح التاء.

وروى الشيرزي، عن الكسائي كذلك إلا أنه ضم التاء. والمعنى: لا يأمرون بإطعامه لأنهم لا يرجون ثواب الآخرة. ويدل على المعنى الثاني

قوله تعالى {وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً} قال ابن قتيبة: التراث الميراث، والتاء فيه منقلبة عن واو، كما قالوا: تجاه، والأصل: وُجاه. وقالوا: تخمة، والأصل: وخمة.

و {لَّمّاً} أي: شديدا وهو من قولك: لممت بالشيء: إذا جمعته وقال الزجاج هو ميراث اليتامى.

قوله تعالى: {وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ} أي: تحبون جمعه

{حُبّاً جَمّاً} أي: كثير فلا تنفقونه في خير {كَلاَّ} أي: ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر. ثم أخبر عن تلهفهم على ما سلف منهم حين لا ينفعهم، فقال تعالى:

{إِذَا دُكَّتِ ٱلاْرْضُ دَكّاً دَكّاً} أي: مرة بعد مرة، فتكسر كل شيء عليها،

{وَجَاء رَبُّكَ} قد ذكرنا هذا المعنى في قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللّه} [البقرة: ٢١٠].

قوله تعالى: {وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} أي: تأتي ملائكة كل سماء صفا صفا على حدة. قال الضحاك: يكونون سبعة صفوف، {وَجِىء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} روى مسلم في أفراده من حديث ابن مسعود قال: قال رسول اللّه

قوله تعالى: {أَحَدٌ يأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ}

اختلفوا فيمن نزلت على خمسة أقوال.

أحدها: في حمزة بن عبد المطلب لما استشهد يوم أحد، قاله أبو هريرة وبريدة الأسلمي.

والثاني: في عثمان بن عفان حين أوقف بئر رومة، قاله الضحاك.

والثالث: في خبيب بن عدي لما صلبه أهل مكة، قاله مقاتل.

والرابع: في أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه، حكاه الماوردي.

والخامس: في جميع المؤمنين، قاله عكرمة.

وفي معنى المطمئنة ثلاثة أقوال:

أحدها: المؤمنة، قاله ابن عباس. وقال الزجاج: المطمئنة بالإيمان.

والثاني: الراضية بقضاء اللّه، قاله مجاهد.

والثالث: الموقنة بما وعد اللّه، قاله قتادة.

واختلفوا في أي حين يقال لها ذلك على قولين:

احدهما: عند خروجها من الدنيا، قاله الأكثرون.

والثاني: عند البعث يقال لها: ارجعي إلى صاحبك، وإلى جسدك. فيأمر اللّه الأرواح أن تعود الى الأجساد رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال عطاء، وعكرمة، والضحاك.

وفي قوله تعالى {ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبّكِ رَاضِيَةً} أربعة أقوال.

أحدها: ارجعي الى صاحبك الذي كنت في جسده، وهذا المعنى في رواية العوفي عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، والضحاك.

والثاني: ارجعي الى ربك بعد الموت في الدنيا، قاله أبو صالح.

والثالث: ارجعي الى ثواب ربك، قاله الحسن.

والرابع: يا أيتها النفس المطمئنة الى الدنيا ارجعي الى اللّه تعالى، بتركها حكاه الماوردي.

قوله تعالى: {فَٱدْخُلِى فِى عِبَادِى} أي: في جملة عبادي المصطفين. قال أبو صالح يقال لها عند الموت: ارجعي إلى ربك، فإذا كان يوم القيامة قيل لها:

{فَٱدْخُلِى فِى عِبَادِى} وقال الفراء: ادخلي مع عبادي. وقرأ سعد بن أبي وقاص، وأبي بن كعب، وابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وأبو العالية، وأبو عمران «في عبدي» على التوحيد. قال الزجاج: فعلى هذه القراءة واللّه أعلم يكون المعنى: ارجعي الي ربك، أي: الى صاحبك الذي خرجت منه فادخلي فيه.

﴿ ٣٠