٤٣{فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} معناه نفي التضرع. والتقدير فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا. وذكر كلمة (لولا) يفيد أنه ما كان لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم وقسوتهم وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم واللّه أعلم. المسألة الثانية: احتج الجبائي بقوله {لعلهم يتضرعون} فقال: هذا يدل على أنه تعالى إنما أرسل الرسل إليهم، وإنما سلط البأساء والضراء عليهم، لإرادة أن يتضرعوا ويؤمنوا، وذلك يدل على أنه تعالى أراد الإيمان والطاعة من الكل. والجواب: أن كلمة (لعل) تفيد الترجي والتمني؛ وذلك في حق اللّه تعالى محال وأنتم حملتموه على إرادة هذا المطلوب، ونحن نحمله على أنه تعالى عاملهم معاملة لو صدرت عن غير اللّه تعالى لكان المقصود منه هذا المعنى، فإما تعليل حكم اللّه تعالى ومشيئته فذلك محال على ما ثبت بالدليل. ثم نقول إن دلت هذه الآية على قولكم من هذا الوجه فإنها تدل على ضد قولكم من وجه آخر، وذلك لأنها تدل على أنهم لم يتضرعوا لقسوة قلوبهم ولأجل أن الشيطان زين لهم أعمالهم. فنقول: تلك القسوة إن حصلت بفعلهم احتاجوا في إيجادها إلى سبب آخر ولزم التسلسل، وإن حصلت بفعل اللّه فالقول قولنا، وأيضا هب أن الكفار إنما أقدموا على هذا الفعل القبيح بسبب تزيين الشيطان، إلا أن نقول: ولم بقي الشيطان مصرا على هذا الفعل القبيح؟ فإن كان ذلك لأجل شيطان آخر تسلسل إلى غير النهاية، وإن بطلت هذه المقادير انتهت بالآخرة إلى أن كل أحد إنما يقدم تارة على الخير وأخرى على الشر، لأجل الدواعي التي تحصل في قلبه، ثم ثبت أن تلك الدواعي لا تحصل إلا بإيجاد اللّه تعالى فحينئذ يصح قولنا ويفسد بالكلية قولهم، واللّه أعلم. |
﴿ ٤٣ ﴾