٤٤{فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شىء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} واعلم أن هذا الكلام من تمام القصة الأولى فبين اللّه تعالى أنه أخذهم أولا بالبأساء والضراء لكي لا يتضرعوا، ثم بين في هذه الآية أنهم لما نسوا ما ذكروا به من البأساء والضراء فتحنا عليهم أبواب كل شيء، ونقلناهم من البأساء والضراء غلى الراحة والرخاء وأنواع الآلاء والنعماء، والمقصود أنه تعالى عاملهم بتسليط المكاره والشدائد عليهم تارة فلم ينتفعوا به، فنقلهم من تلك الحالة إلى ضدها وهو فتح أبواب الخيرات عليهم وتسهيل موجبات المسرات والسعادات لديهم فلم ينتفعوا به أيضا. وهذا كما يفعله الأب المشفق بولده يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى طلبا لصلاحه. حتى إذا فرحوا بما أوتوا من الخير والنعم، لم يزيدوا على الفرح والبطر من غير انتداب لشكر ولا اقدام على اعتذار وتوبة، فلا جرم أخذناهم بغتة. واعلم أن قوله {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} معناه فتحنا عليهم أبواب كل شيء كان مغلقا عنهم من الخير، {حتى إذا فرحوا} أي حتى إذا ظنوا أن الذي نزل بهم من البأساء ما كان على سبيل الانتقام من اللّه، ولما فتح اللّه عليهم أبواب الخيرات ظنوا أن ذلك باستحقاقهم، فعند ذلك ظهر أن قلوبهم قست وماتت، في هذه الآية مكر بالقوم ورب الكعبة، وقال صلى اللّه عليه وسلم <> ثم قرأ هذه الآية. قال أهل المعاني: وإنما أخذوا في حال الرخاء والراحة ليمون أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة والعافية وقوله {فإذا هم مبلسون} أي أيسون من كل خير. قال الفراء: المبلس الذي انقطع رجاؤه، ولذلك قيل للذي سكت عند انقطاع حجته قد أبلس. وقال الزجاج: المبلس الشديد الحسرة الحزين، والابلاس في اللغة يكون بمعنى اليأس من النجاة عند ورود الهلكة، ويكون بمعنى انقطاع الحجة، ويكون بمعنى الحيرة بما يرد على النفس من البلية. وهذه المعاني متقاربة. |
﴿ ٤٤ ﴾