٥٥{ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على كمال القدرة والحكمة والرحمة، وعند هذا تم التكليف المتوجه إلى تحصيل المعارف النفسانية، والعلوم الحقيقية، أتبعه بذكر الأعمال اللائقة بتلك المعارف وهو الاشتغال بالدعاء والتضرع، فإن الدعاء مخ العبادة، فقال: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {ادعوا ربكم} فيه قولان: قال بعضهم: {اعبدوا} وقال آخرون: هو الدعاء، ومن قال بالأول عقل من الدعاء أنه طلب الخير من اللّه تعالى، وهذه صفة العبادة، لأنه يفعل تقربا، وطلبا للمجازاة لأنه تعالى عطف عليه قوله: {وادعوه خوفا وطمعا} (الأعراف: ٥٦) والمعطوف ينبغي أن يكون مغايرا للمعطوف عليه. والقول الثاني هو الأظهر، لأن الدعاء مغاير للعبادة في المعنى. إذا عرفت هذا فنقول: اختلف الناس في الدعاء، فمنهم من أنكره. واحتج على صحة قوله بأشياء: الأول: أن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع كان واجب الوقوع لامتناع وقوع التغيير في علم اللّه تعالى، وما كان واجب الوقوع لم يكن في طلبه فائدة، وإن كان معلوم اللاوقوع كان ممتنع الوقوع فلا فائدة أيضا في طلبه. الثاني: أنه تعالى إن كان قد أراد في الأزل إحداث ذلك المطلوب، فهو حاصل سواء حصل هذا الدعاء أو لم يحصل، وإن كان قد أراد في الأزل أن لا يعطيه فهو ممتنع الوقوع فلا فائدة في الطلب، وإن قلنا أنه ما أراد في الأزل إحداث ذلك الشيء لا وجوده ولا عدمه، ثم إنه عند ذلك الدعاء، صار مريدا له لزم وقوع التغير في ذات اللّه وفي صفاته، وهو محال. لأن على هذا التقدير: يصير إقدام العبد على الدعاء علة لحدوث صفة في ذات اللّه تعالى، فيكون العبد متصرفا في صفة اللّه بالتبديل والتغيير، وهو محال. والثالث:أن المطلوب بالدعاء إن اقتضت الحكمة والمصلحة إعطاءه، فهو تعالى يعطيه من غير هذا الدعاء لأنه منزه عن أن يكون بخيلا وأن اقتضت الحكمة منعه، فهو لا يعطيه سواء أقدم العبد على الدعاء أو لم يقدم عليه. والرابع: أن الدعاء غير الأمر، ولا تفاوت بين البابين إلا كون الداعي أقل رتبة، وكون الآمر أعلى رتبة وإقدام العبد على أمر اللّه سوء أدب، وإنه لا يجوز. الخامس: الدعاء يشبه ما إذا أقدم العبد على إرشاد ربه وإلهه إلى فعل الأصلح والأصوب، وذلك سوء أدب أو أنه ينبه الإله على شيء ما كان منتبها له، وذلك كفر وأنه تعالى قصر في الإحسان والفضل فأنت بهذا تحمله على الإقدام على الإحسان والفضل، وذلك جهل. السادس: إن الإقدام على الدعاء يدل على كونه غير راض بالقضاء إذ لو رضي بما قضاه اللّه عليه لترك تصرف نفسه، ولما طلب من اللّه شيئا على التعيين وترك الرضا بالقضاء أمر من المنكرات. السابع: كثيرا ما يظن العبد بشيء كونه نافعا وخيرا، ثم أنه عند دخوله في الوجود يصير سببا للآفات الكثيرة والمفاسد العظيمة، وإذا كان كذلك كان طلب الشيء المعين من اللّه غير جائز، بل الأولى طلب ما هو المصلحة والخير، وذلك حاصل من اللّه تعالى سواء طلبه العبد بالدعاء أو لم يطلبه. فلم يبق في الدعاء فائدة. الثامن: أن الدعاء عبارة عن توجه القلب إلى طلب شيء من اللّه تعالى، وتوجه القلب إلى طلب ذلك الشيء المعين يمنع القلب من الاستغراق في معرفة اللّه تعالى، وفي محبته وفي عبوديته، وهذه مقامات عالية شريفة، وما يمنع من حصول المقامات العالية الشريفة كان مذموما. التاسع: روي أنه عليه الصلاة والسلام. قال حاكيا عن اللّه سبحانه: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" وذلك يدل على أن الأولى ترك الدعاء. العاشر: إن علم الحق محيط بحاجة العبد، والعبد إذا علم أن مولاه عالم باحتياجه، فسكت ولم يذكر تلك الحاجة كان ذلك أدخل في الأدب، وفي تعظيم المولى مما إذا أخذ يشرح كيفية تلك الحالة، ويطلب ما يدفع تلك الحاجة، وإذا كان الحال على هذا الوجه في الشاهد، وجب اعتبار مثله في حق اللّه سبحانه، ولذلك يقال أن الخليل عليه السلام لما وضع في المنجنيق ليرمى إلى النار. قال جبريل عليه السلام ادع ربك. فقال الخليل عليه السلام: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فهذه الوجوه هي المذكورة في هذا الباب. واعلم أن الدعاء نوع من أنواع العبادة والأسئلة المذكورة واردة في جميع أنواع العبادات، فإنه يقال أن كان هذا الإنسان سعيدا في علم اللّه فلا حاجة إلى الطاعات والعبادات، وإن كان شقيا في علمه فلا فائدة في تلك العبادات، وأيضا يقال وجب أن لا يقدم الإنسان على أكل الخبز وشرب الماء لأنه أن كان هذا الإنسان شبعان في علم اللّه تعالى فلا حاجة إلى أكل الخبز، وإن كان جائعا فلا فائدة في أكل الخبز، وكما أن هذا الكلام باطل ههنا، فكذا فيما ذكروه، بل نقول الدعاء يفيد معرفة ذلة العبودية ويفيد معرفة عزة الربوبية، وهذا هو المقصود الأشرف الأعلى من جميع العبادات وبيانه أن الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه كونه محتاجا إلى ذلك المطلوب وكونه عاجزا عن تحصيله وعرف من ربه وإلهه أنه يسمع دعاءه، ويعلم حاجته وهو قادر على دفع تلك الحاجة وهو رحيم تقتضي رحمته إزالة تلك الحاجة، وإذا كان كذلك فهو لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف كونه موصوفا بالحاجة وبالعجز وعرف كون الإله سبحانه موصوفا بكمال العلم والقدرة والرحمة، فلا مقصود من جميع التكاليف إلا معرفة ذل العبودية وعز الربوبية، فإذا كان الدعاء مستجمعا لهذين المقامين لا جرم كان الدعاء أعظم أنواع العبادات. وقوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} إشارة إلى المعنى الذي ذكرناه لأن التضرع لا يحصل إلا من الناقص في حضرة الكامل فما لم يعتقد العبد نقصان نفسه وكمال مولاه في العلم والقدرة والرحمة لم يقدم على التضرع، فثبت أن المقصود من الدعاء ما ذكرناه، فثبت أن لفظ القرآن دليل عليه والذي يقوي ما ذكرناه ما روي أنه عليه السلام قال: "ما من شيء أكرم على اللّه من الدعاء والدعاء هو العبادة" ثم قرأ: {إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين} (غافر: ٦٠) في حقائق الدعاء مذكور في سورة البقرة في تفسير قوله: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} (البقرة: ١٨٦) واللّه أعلم. المسألة الثانية: في تقرير شرائط الدعاء. اعلم أن المقصود من الدعاء أن يصير العبد مشاهدا لحاجة نفسه ولعجز نفسه ومشاهدا لكون مولاه موصوفا بكمال العلم والقدرة والرحمة، فكل هذه المعاني دخلت تحت قوله: {ادعوا ربكم تضرعا} ثم إذا حصلت هذه الأحوال على سبيل الخلوص، فلا بد من صونها عن الرياء المبطل لحقيقة الإخلاص، وهو المراد من قوله تعالى: {وخفية} والمقصود من ذكر التضرع تحقيق الحالة الأصلية المطلوبة من الدعاء والمقصود من ذكر الإخفاء صون ذلك الأخلاص عن شوائب الرياء، وإذا عرفت هذا المعنى ظهر لك أن قوله سبحانه: {تضرعا وخفية} مشتمل على كل ما يراد تحقيقه وتحصيله في شرائط الدعاء وأنه لا يزيد عليه البتة بوجه من الوجوه، وأما تفصيل الكلام في تلك الشرائط، فقد بالغ في شرحها الشيخ سليمان الحليمي رحمة اللّه عليه في كتاب المنهاج فليطلب من هناك. المسألة الثالثة: "التضرع" التذلل والتخشع، وهو إظهار ذل النفس من قولهم: ضرع فلان لفلان، وتضرع له إذا أظهر الذل له في معرض السؤال "والخفية" ضد العلانية. يقال: أخفيت الشيء إذا سترته، ويقال: {*خفية} أيضا بالكسر، وقرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر عنه {*خفية} بكسر الخاء ههنا وفي الأنعام، والباقون بالضم، وهما لغتان: واعلم أن الإخفاء معتبر في الدعاء، ويدل على وجوه: الأول: هذه الآية فإنها تدل على أنه تعالى أمر بالدعاء مقرونا باللإخفاء، وظاهر الأمر للوجوب، فإن لم يحصل الوجوب، فلا أقل من كونه ندبا. ثم قال تعالى بعده: {وخفية إنه لا يحب المعتدين} والأظهر أن المراد أنه لا يحب المعتدين في ترك هذين الأمرين المذكورين، وهما التضرع والإخفاء، فإن اللّه لا يحبه ومحبة اللّه تعالى عبارة عن الثواب، فكان المعنى أن من ترك في الدعاء التضرع والإخفاء، فإن اللّه لا يثيبه ألبتة، ولا يحسن إليه، ومن كان كذلك كان من أهل العقاب لا محالة، فظهر أن قوله تعالى: {إنه لا يحب المعتدين} كالتهديد الشديد على ترك التضرع والإخفاء في الدعاء. الحجة الثانية: أنه تعالى أثنى على زكريا فقال: {إذ نادى ربه نداء خفيا} (مريم: ٣) أي أخفاه عن العباد وأخلصه للّه وانقطه به إليه. الحجة الثالثة: ما روى أبو موسى الأشعري، أنهم كانوا في غزاة فأشرفوا على واد فجعلوا يكبرون ويهللون رافعي أصواتهم فقال عليه السلام: "ارفقوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وإنه لمعكم". الحجة الرابعة: قوله عليه السلام: "دعوة في السر تعدل سبعين دعوة في العلانية" وعنه عليه السلام: "خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي" وعن الحسن أنه كان يقول: إن الرجل كان يجمع القرآن وما يشعر به جاره، يفقه الكثير وما يشعر به الناس، ويصلي الصلاة الطويلة في ليله وعنده الزائرون وما يشعرون به ولقد أدركنا أقواما كانوا يبالغون في إخفاء الأعمال، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع صوتهم إلا همسا، لأن اللّه تعالى قال: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} وذكر اللّه عبده زكريا فقال: {إذ نادى ربه نداء خفيا}. الحجة الخامسة: المعقول وهو أن النفس شديدة الميل عظيمة الرغبة في الرياء والسمعة، فإذا رفع صوته في الدعاء امتزج الرياء بذلك الدعاء فلا يبقى فيه فائدة ألبتة. فكان الأولى إخفاء الدعاء ليبقى مصونا عن الرياء وههنا مسائل عظم اختلاف أرباب الطريقة فيها، وهي: أنه هل الأولى إخفاء العبادات أم إظهارها؟ فقال بعضهم الأولى إخفاؤها صونا لها عن الرياء وقال أخرون: الأولى إظهارها ليرغب الغير في الاقتداء به في أداء تلك العبادات. وتوسط الشيخ محمد بن عيسى الحكيم الترمذي فقال: إن كان خائفا على نفسه من الرياء الأولى الإخفاء صونا لعمله عن البطلان، وإن كان قد بلغ في الصفاء وقوة اليقين إلى حيث صار آمنا عن شائبة الرياء كان الأولى في حقه الإظهار لتحصل فائدة الاقتداء. المسألة الرابعة: قال أبو حنيفة رحمه اللّه، إخفاء التأمين أفضل. وقال الشافعي رحمه اللّه، إعلانه أفضل، واحتج أبو حنيفة على صحة قوله، قال: في قوله: "آمين" وجهان: أحدهما: أنه دعاء. والثاني: أنه من أسماء اللّه، فإن كان دعاء وجب إخفاؤه لقوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} وإن كان اسما من أسماء اللّه تعالى وجب إخفاؤه لقوله تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة} (الأعراف: ٢٠٥) فإن لم يثبت الوجوب فلا أقل من الندبية ونحن بهذا القول نقول: أما قوله تعالى: {إنه لا يحب المعتدين} ففيه مسائل: المسألة الأولى: أجمع المسلمون على أن المحبة صفة من صفات اللّه تعالى، لأن القرآن نطق بإثباتها في آيات كثيرة. واتفقوا على أنه ليس معناها شهوة النفس وميل الطبع وطلب التلذذ بالشيء، لأن كل ذلك في حق اللّه تعالى محال بالاتفاق، واختلفوا في تفسير المحبة في حق اللّه تعالى على ثلاثة أقوال: فالقول الأول: أنها عبارة عن أيصال اللّه الثواب والخير والرحمة إلى العبد. والقول الثاني: أنها عبارة عن كونه تعالى مريدا لإيصال الثواب والخير إلى العبد. وهذا الاختلاف بناء على مسألة أخرى وهي: أنه تعالى هل هو موصوف بصفة الإرادة أم لا؟ قال الكعبي وأبو الحسين: إنه تعالى غير موصوف بالإرادة ألبتة، فكونه تعالى مريدا لأفعال نفسه أنه موجد لها وفاعل لها، وكونه تعالى مريدا لأفعال غيره كونه آمرا بها ولا يجوز كونه تعالى موصوفا بصفة الإرادة. وأما أصحابنا ومعتزلة البصرة فقد أثبتوا كونه تعالى موصوفا بصفة المريدية. إذا عرفت هذا فمن نفي الإرادة في حق اللّه تعالى فسر محبة اللّه بمجرد إيصال الثواب إلى العبد ومن أثبت الإرادة للّه تعالى فسر محبة اللّه بإرادته لإيصال الثواب إليه. والقول الثالث: أنه لا يبعد أن تكون محبة اللّه تعالى للعبد صفة وراء كونه تعالى مريدا لإيصال الثواب إليه، وذلك لأنا نجد في الشاهد أن الأب يحب ابنه فيترتب على تلك المحبة إرادة إيصال الخير إلى ذلك الابن فكانت هذه الإرادة أثرا من آثار تلك المحبة وثمرة من ثمراتها وفائدة من فوائدها. أقصى ما في الباب أن يقال: إن هذه المحبة في الشاهد عبارة عن الشهوة وميل الطبع ورغبة النفس وذلك في حق اللّه تعالى محال، إلا أنا نقول: لم لا يجوز أن يقال محبة اللّه تعالى صفة أخرى، سوى الشهوة وميل الطبع يترتب عليها إرادة إيصال الخير والثواب إلى العبد؟ أقصى ما في الباب، أنا لا نعرف أن تلك المحبة ما هي وكيف هي؟ا إلا أن عدم العلم بالشيء لا يوجب العلم بعدم ذلك الشيء. ألا ترى أن أهل السنة يثبتون كونه تعالى مرئيا، ثم يقولون إن تلك الرؤية مخالفة لرؤية الأجسام والألوان، بل هي رؤية بلا كيف، فلم لا يقولون ههنا أيضا أن محبة اللّه للعبد محبة منزهة عن ميل الطبع وشهوة النفس بل هي محبة بلا كيف؟ فثبت أن جزم المتكلمين بأنه لا معنى لمحبة اللّه إلا إرادة إيصال الثواب ليس لهم على هذا الحصر دليل قاطع. بل أقصى ما في الباب أن يقال لا دليل على إثبات صفة أخرى سوى الإرادة فوجب نفيها، لكنا بينا في كتاب نهاية العقول أن هذه الطريقة ضعيفة ساقطة. المسألة الثانية: قوله: {إنه لا يحب المعتدين} أي المجاوزين ما أمروا به. قال الكلبي وابن جريج: من الاعتداء رفع الصوت في الدعاء. المسألة الثالثة: اعلم أن كل من خالف أمر اللّه تعالى ونهيه، فقد اعتدى وتعدى. فيدخل تحت قوله: {إنه لا يحب المعتدين} وقد بينا أن من لا يحبه اللّه فإنه يعذبه، فظاهر هذه الآية يقتضي أن كل من خالف أمر اللّه ونهيه، فإنه يكون معاقبا، والمعتزلة تمسكوا بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق، وقالوا لا يجوز أن يقال المراد منه الاعتداء في رفع الصوت بالدعاء وبيانه من وجهين: الأول: أن لفظ {المعتدين} لفظ عام دخله الألف واللام، فيفيد الاستغراق غايته أنه إنما ورد في هذه الصورة لكنه ثبت أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. الثاني: أن رفع الصوت بالدعاء ليس من المحرمات بل غايته أن يقال الأولى تركه وإذا لم يكن من المحرمات لم يدخل تحت هذا الوعيد. والجواب المستقصى ما ذكرناه في سورة البقرة أن التمسك بهذه العمومات لا يفيد القطع بالوعيد. |
﴿ ٥٥ ﴾