٥٦ثم قال تعالى: {ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها} وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: {ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها} معناه ولا تفسدوا شيئا في الأرض، فيدخل فيه المنع من إفساد النفوس بالقتل وبقطع الأعضاء، وإفساد الأموال بالغصب والسرقة ووجوه الحيل، وإفساد الأديان بالكفر والبدعة، وإفساد الأنساب بسبب الإقدام على الزنا واللواطة وسبب القذف، وإفساد العقول بسبب شرب المكسرات، وذلك لأن المصالح المعتبرة في الدنيا هي هذه الخمسة: النفوس والأموال والأنساب والأديان والعقول. فقوله: {ولا تفسدوا} منع عن إدخال ماهية الإفساد في الوجود، والمنع من إدخال الماهية في الوجود يقتضي المنع من جميع أنواعه وأصنافه، فيتناول المنع من الإفساد في هذه الأقسام الخمسة، وأما قوله: {بعد إصلاحها} فيحتمل أن يكون المراد بعد أن أصلح خلقتها على الوجه المطابق لمنافع الخلق والموافق لمصالح المكلفين، ويحتمل أن يكون المراد بعد إصلاح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب كأنه تعالى قال: لما أصلحت مصالح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب وتفصيل الشرائع فكونوا منقادين لها، ولا تقدموا على تكذيب الرسل وإنكار الكتب والتمرد عن قبول الشرائع، فإن ذلك يقتضي وقوع الهرج والمرج في الأرض، فيحصل الإفساد بعد الإصلاح، وذلك مستكره في بداهة العقول. المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار الحرمة والمنع على الإطلاق. إذا ثبت هذا فنقول: إن وجدنا نصا خاصا دل على جواز الإقدام على بعض المضار قضينا به تقديما للخاص على العام وإلا بقي على التحريم الذي دل عليه هذا النص. واعلم أنا كنا قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: {قل من حرم زينة اللّه التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق} (الأعراف: ٣٢) أن هذه الآية تدل على أن الأصل في المنافع واللذات الإباحة والحل، ثم بينا أنه لما كان الأمر كذلك دخل تحت تلك الآية جميع أحكام اللّه تعالى، فكذلك في هذه الآية أنها تدل على أن الأصل في المضار والآلام، الحرمة. وإذا ثبت هذا كان جميع أحكام اللّه تعالى داخلا تحت عموم هذه الآية، وجميع ما ذكرناه من المباحث واللطائف في تلك الآية فهي موجودة في هذه الآية، فتلك الآية دالة على أن الأصل في المنافع الحل، وهذه الآية دالة على أن الأصل في جميع المضار الحرمة، وكل واحدة من هاتين الآيتين مطابقة للأخرى مؤكدة لمدلولها مقررة لمعناها، وتدل على أن أحكام جميع الوقائع داخلة تحت هذه العمومات، وأيضا هذه الآية دالة على أن كل عقد وقع التراضي عليه بين الخصمين، فإنه انعقد وصح وثبت، لأن رفعه بعد ثبوته يكون إفسادا بعد الإصلاح، والنص دل على أنه لا يجوز. إذا ثبت هذا فنقول: أن مدلول هذه الآية من هذا الوجه متأكد بعموم قوله: {أوفوا بالعقود} (المائدة: ١) وبعموم قوله تعالى: {لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند اللّه أن تقولوا ما لا تفعلون} (الصف: ٢، ٣) وتحت قوله: {والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون} (المؤمنون:٨ المعارج: ٣٢) وتحت سائر العمومات الواردة في وجوب الوفاء بالعهود والعقود. إذا ثبت هذا فنقول: إن وجدنا نصا دالا على أن بعض العقود التي وقع التراضي به من الجانبين غير صحيح، قضينا فيه بالبطلان تقديما للخاص على العام وإلا حكمنا فيه بالصحة رعاية لمدلول هذه العمومات. وبهذا الطريق البين الواضح ثبن أن القرآن واف ببيان جميع أحكام الشريعة من أولها إلى آخرها. ثم قال تعالى: {وادعوه خوفا وطمعا} وفيه سؤالات: السؤال الأول: قال في أول الآية: {أدعو * ربكم} ثم قال: {ولا تفسدوا} ثم قال: {وادعوه} وهذا يقتضي عطف الشيء على نفسه وهو باطل. والجواب: أن الذين قالوا في تفسير قوله: {ادعوا ربكم تضرعا} أي اعبدوه إنما قالوا ذلك خوفا من هذا الإشكال. فإن قلنا بهذا التفسير فقد زال السؤال، وإن قلنا المراد من قوله: {ادعوا ربكم تضرعا} هو الدعاء كان الجواب أن قوله: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} يدل على أن الدعاء لا بد وأن يكون مقرونا بالتضرع وبالإخفاء، ثم بين في قوله {وادعوه خوفا وطمعا} أن فائدة الدعاء هو أحد هذين الأمرين، فكانت الآية الأولى في بيان شرط صحة الدعاء، والآية الثانية في بيان فائدة الدعاء ومنفعته. السؤال الثاني: أن المتكلمين اتفقوا على أن من عبد ودعا لأجل الخوف من العقاب والطمع في الثواب لم تصح عبادته، وذلك لأن المتكلمين فريقان: منهم من قال التكاليف إنما وردت بمقتضى الألهية والعبودية، فكونه إلها لنا وكوننا عبيدا له يقتضي أن يحسن منه أن يأمر عبيده بما شاء كيف شاء، فلا يعتبر منه كونه في نفسه صلاحا وحسنا، وهذا قول أهل السنة. ومنهم من قال: التكليف إنما وردت لكونها في أنفسها مصالح؛ وهذا هو قول المعتزلة. إذا عرفت هذا فنقول: أما على القول الأول: فوجه وجوب بعض الأعمال، وحرمة بعضها مجرد أمر اللّه بما أوجبه. ونهيه عما حرمه، فمن أتى بهذه العبادات صحت. أما من أتى بها خوفا من العقاب، أو طمعا في الثواب، وجب أن لا يصح، لأنه ما أتى بها لأجل وجه وجوبها، وأما على القول الثاني: فوجه وجوبها هو كونها في أنفسها مصالح، فمن أتى بها للخوف من العقاب، أو للطمع في الثواب فلم يأت بها لوجه وجوبها، فوجب أن لا تصح، فثبت أن على كلا المذهبين من أتى بالدعاء وسائر العبادات لأجل الخوف من العقاب، والطمع في الثواب، وجب أن لا يصح. إذا ثبت هذا فنقول: ظاهر قوله: {وادعوه خوفا وطمعا} يقتضي أنه تعالى أمر المكلف بأن يأتي بالدعاء لهذا الغرض، وقد ثبت بالدليل فساده، فكيف طريق التوفيق بين ظاهر هذه الآية وبين ما ذكرناه من المعقول. والجواب: ليس المراد من الآية ما ظننتم، بل المراد: وادعوه مع الخوف من وقوع التقصير، في بعض الشرائط المعتبرة في قبول ذلك الدعاء، ومع الطمع في حصول تلك الشرائط بأسرها، وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل؟ السؤال الثالث: هل تدل هذه الآية على أن الداعي لا بد وأن تحصل في قلبه هذا الخوف والطمع؟ والجواب: أن العبد لا يمكنه أن يقطع بكونه آتيا بجميع الشرائط المعتبرة في قبول الدعاء، ولأجل هذا المعنى يحصل الخوف، وأيضا لا يقطع بأن تلك الشرائط مفقودة، فوجب كونه طامعا في قبولها فلا جرم. قلنا: بأن الداعي لا يكون داعيا إلا إذا كان كذلك فقوله: {خوفا وطمعا} أي أن تكونوا جامعين في نفوسكم بين الخوف والرجاء في كل أعمالكم، ولا تقطعوا أنكم وإن اجتهدتم فقد أديتم حق ربكم. ويتأكد هذا بقوله: {يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة} (المؤمنون: ٦٠) . ثم قال تعالى: {ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها} وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن الرحمة عبارة عن إيصال الخير والنعمة أو عن إرادة إيصال الخير والنعمة، فعلى التقدير الأول تكون الرحمة من صفات الأفعال وعلى هذا التقدير الثاني تكون من صفات الذات، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير {بسم اللّه الرحمان الرحيم} (الفاتحة: ١ النمل: ٣٠). المسألة الثانية: قال بعض أصحابنا: ليس للّه في حق الكافر رحمة ولا نعمة. واحتجوا بهذه الآية، وبيانه: أن هذه الآية تدل على أن كل ما كان رحمة فهي قريبة من المحسنين، فيلزم أن يكون كل ما لا يكون قريبا من المحسنين، أن لا يكون رحمة، والذي حصل في حق الكافر غير قريب من المحسنين، فوجب أن لا يكون رحمة من اللّه ولا نعمة منه. المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: الآية تدل على أن رحمة اللّه قريب من المحسنين، فلما كان كل هذه الماهية حصل للمحسنين وجب أن لا يحصل منها نصيب لغير المحسنين، فوجب أن لا يحصل شيء من رحمة اللّه في حق الكافرين، والعفو عن العذاب رحمة، والتخلص من النار بعد الدخول فيها رحمة، فوجب أن لا يحصل ذلك لمن لم يكن من المحسنين، والعصاة وأصحاب الكبائر ليسوا محسنين، فوجب أن لا يحصل لهم العفو عن العقاب، وأن لا يحصل لهم الخلاص من النار. الجواب: أن من آمن باللّه وأقر بالتوحيد والنبوة، فقد أحسن بدليل أن الصبي إذا بلغ وقت الضحوة، وآمن باللّه ورسوله واليوم الآخر ومات قبل الوصول إلى الظهر فقد أجمعت الأمة على أنه دخل تحت قوله: {للذين أحسنوا الحسنى} (يونس: ٢٦) ومعلوم أن هذا الشخص لم يأت بشيء من الطاعات سوى المعرفة والإقرار، لأنه لما بلغ بعد الصبح لم تجب عليه صلاة الصبح، ولما مات قبل الظهر لم تجب عليه صلاة الظهر، وظاهره أن سائر العبادات لم تجب عليه. فثبت أنه محسن، وثبت أنه لم يصدر منه إلا المعرفة والإقرار، فوجب كون هذا القدر إحسانا، فيكون فاعله محسنا. إذا ثبت هذا فنقول: كل من حصل له الإقرار والمعرفة كان من المحسنين، ودلت هذه الآية على أن رحمة اللّه قريب من المحسنين، فوجب بحكم هذه الآية أن تصل إلى صاحب الكبيرة من أهل الصلاة رحمة اللّه، وحينئذ تنقلب هذه الآية حجة عليهم. فإن قالوا: المحسنون هم الذين أتوا بجميع وجوه الإحسان. فنقول: هذا باطل، لأن المحسن من صدر عنه مسمى الإحسان وليس من شرط كونه محسنا أن يكون آتيا بكل وجوه الإحسان كما أن العالم هو الذي له العلم وليس من شرطه أن يحصل جميع أنواع العلم. فثبت بهذا أن السؤال الذي ذكروه ساقط وأن الحق ما ذهبنا إليه. المسألة الرابعة: لقائل أن يقول مقتضى علم الأعراب أن يقال: إن رحمة اللّه قريبة من المحسنين فما السبب في حذف علامة التأنيث؟ وذكروا في الجواب عنه وجوها: الأول: أن الرحمة تأنيثها ليس بحقيقي وما كان كذلك فإنه يجوز فيه التذكير والتأنيث عند أهل اللغة. الثاني: قال الزجاج: إنما قال: {قريب} لأن الرحمة والغفران والعفو والإنعام بمعنى واحد فقوله: {ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها} بمعنى إنعام اللّه قريب وثواب اللّه قريب فأجرى حكم أحد اللفظين على الآخر. الثالث: قال النضر بن شميل: الرحمة مصدر ومن حق المصادر التذكير كقوله: {فمن جاءه موعظة} (البقرة: ٢٧٥) فهذا راجع إلى قول الزجاج لأن الموعظة أريد بها الوعظ، فلذلك ذكره قال الشاعر: ( إن السماحة والمروءة ضمنا قبرا بمرو على الطريق الواضح ) قيل: أراد بالسماحة السخاء وبالمروءة الكرم. والرابع: أن يكون التأويل إن رحمة اللّه ذات مكان قريب من المحسنين كما قالوا: حائض ولابن تامر أي ذات حيض ولبن وتمر. قال الواحدي: أخبرني العروضي عن الأزهري عن المنذري عن الحراني عن ابن السكيت قال: تقول العرب: هو قريب مني وهما قريب مني وهم قريب مني وهي قريب مني، لأنه في تأويل هو في مكان قريب مني وقد يجوز أيضا قريبة وبعيدة تنبيها على معنى قربت وبعدت بنفسها. المسألة الخامسة: تفسير هذا القرب هو أن الإنسان يزداد في كل لحظة قربا من الآخرة، وبعدا من الدنيا، فإن الدنيا كالماضي، والآخرة كالمستقبل، والأنسان في كل ساعة ولحظة ولمحة يزداد بعدا عن الماضي، وقربا من المستقبل. ولذلك قال الشاعر: ( فلا زال ما تهواه أقرب من غد ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس ) ولما ثبت أن الدنيا تزداد بعدا في كل ساعة، وأن الآخرة تزداد قربا في كل ساعة، وثبت أن رحمة اللّه إنما تحصل بعد الموت، لا جرم ذكر اللّه تعالى: {ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها} بناء على هذا التأويل. |
﴿ ٥٦ ﴾