٦٨

والثاني: قوله تعالى: {لولا كتاب من اللّه سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} وأجمعوا على أن المراد بقوله: {أخذتم} ذلك الفداء.

الوجه الرابع: أن النبي صلى اللّه عليه وسلم وأبا بكر بكيا، وصرح الرسول صلى اللّه عليه وسلم أنه إنما بكى لأجل أنه حكم بأخذ الفداء، وذلك يدل على أنه ذنب.

الوجه الخامس: أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "إن العذاب قرب نزوله ولو نزل لما نجا منه إلا عمر" وذلك يدل على الذنب، فهذه جملة وجوه تمسك القوم بهذه الآية.

والجواب عن الوجه الذي ذكروه أولا: أن قوله: {ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض} يدل على أنه كان الأسر مشروعا، ولكن بشرط سبق الأثخان في الأرض، والمراد بالإثخان هو القتل والتخويف الشديد، ولا شك أن الصحابة قتلوا يوم بدر خلقا عظيما، وليس من شرط الأثخان في الأرض قتل جميع الناس.

ثم إنهم بعد القتل الكثير أسروا جماعة، والآية تدل على أن بعد الإثخان يجوز الأسر فصارت هذه الآية دالة دلالة بينة على أن ذلك الأسر كان جائزا بحكم هذه الآية، فكيف يمكن التمسك بهذه الآية في أن ذلك الأسر كان ذنبا ومعصية؟ ويتأكد هذا الكلام بقوله تعالى: {حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وأما فداء} (محمد: ٤).

فإن قالوا: فعلى ما شرحتموه دلت الآية على أن ذلك الأسر كان جائزا والإتيان بالجائز المشروع لا يليق ترتيب لعقاب عليه، فلم ذكر اللّه بعده ما يدل على العقاب؟

فنقول: الوجه فيه أن الإثخان في الأرض ليس مضبوطا بضابط معلوم معين، بل المقصود منه إكثار القتل بحيث يوجب وقوع الرعب في قلوب الكافرين، وأن لا يجترئوا على محاربة المؤمنين، وبلوغ القتل إلى هذا الحد المعين لا شك أنه يكون مفوضا إلى الاجتهاد، فلعله غلب على ظن الرسول عليه الصلاة والسلام أن ذلك القدر من القتل الذي تقدم كفى في حصول هذا المقصود، مع أنه ما كان الأمر كذلك فكان هذا خطأ واقعا في الاجتهاد في صورة ليس فيها نص، وحسنات الأبرار سيئات المقربين.

فحسن ترتيب العقاب على ذكر هذا الكلام لهذا السبب، مع أن ذلك لا يكون البتة ذنبا ولا معصية.

والجواب عن الوجه الذي ذكروه ثانيا أن نقول: إن ظاهر قوله تعالى: {فاضربوا فوق الاعناق} أن هذا الخطاب إنما كان مع الصحابة لإجماع المسلمين على أنه عليه الصلاة والسلام ما كان مأمورا أن يباشر قتل الكفار بنفسه، وإذا كان هذا الخطاب مختصا بالصحابة، فهم لما تركوا القتل وأقدموا على الأسر، كان الذنب صادرا منهم لا من الرسول صلى اللّه عليه وسلم .

ونقل أن الصحابة لما هزموا الكفار وقتلوا منهم جمعا عظيما والكفار فروا ذهب الصحابة خلفهم وتباعدوا عن الرسول وأسروا أولئك الأقوام، ولم يعلم الرسول بإقدامهم على الأسر إلا بعد رجوع الصحابة إلى حضرته، وهو عليه السلام ما أسر وما أمر بالأسر، فزال هذا السؤال.

فإن قالوا: هب أن الأمر كذلك، لكنهم لما حملوا الأسارى إلى حضرته فلم لم يأمر بقتلهم امتثالا لقوله تعالى: {فاضربوا فوق الاعناق}.

قلنا: إن قوله: {فاضربوا} تكليف مختص بحالة الحرب عند اشتغال الكفار بالحرب، فأما بعد انقضاء الحرب فهذا التكليف ما كان متناولا له.

والدليل القاطع عليه أنه عليه الصلاة والسلام استشار الصحابة في أنه بماذا يعاملهم؟ ولو كان ذلك النص متناولا لتلك الحالة، لكان مع قيام النص القاطع تاركا لحكمه وطالبا ذلك الحكم من مشاورة الصحابة، وذلك محال، وأيضا فقوله: {فاضربوا فوق الاعناق} أمر، والأمر لا يفيد إلا المرة الواحدة، وثبت بالإجماع أن هذا المعنى كان واجبا حال المحاربة فوجب أن يبقى عديم الدلالة على ما وراء وقت المحاربة، وهذا الجواب شاف.

والجواب عما ذكروه ثالثا، وهو قولهم: إنه عليه الصلاة والسلام حكم بأخذ الفداء، وأخذ الفداء محرم.

فنقول: لا نسلم أن أخذ الفداء محرم.

وأما قوله: {تريدون عرض الدنيا واللّه يريد الاخرة} فنقول هذا لا يدل على قولكم، وبيانه من وجهين:

الأول: أن المراد من هذه الآية حصول العتاب على الأسر لغرض أخذ الفداء، وذلك لا يدل على أن أخذ الفداء محرم مطلقا.

الثاني: أن أبا بكر رضي اللّه عنه قال الأولى: أن نأخذ الفداء لتقوى العسكر به على الجهاد، وذلك يدل على أنهم إنما طلبوا ذلك الفداء للتقوى به على الدين، وهذه الآية تدل على ذم من طلب الفداء لمحض عرض الدنيا ولا تعلق لأحد البابين بالثاني.

وهذان الجوابان بعينهما هما الجوابان عن تمسكهم بقوله تعالى: {لولا كتاب من اللّه سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم}.

والجواب عما ذكروه رابعا: أن بكاء الرسول عليه الصلاة والسلام يحتمل أن يكون لأجل أن بعض الصحابة لما خالف أمر اللّه في القتل، واشتغل بالأسر استوجب العذاب، فبكى الرسول عليه الصلاة والسلام خوفا من نزول العذاب عليهم، ويحتمل أيضا ما ذكرناه أنه عليه الصلاة والسلام اجتهد في أن القتل الذي حصل هل بلغ مبلغ الإثخان الذي أمره اللّه به في قوله: {حتى يثخن في الارض} ووقع الخطأ في ذلك الاجتهاد، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، فأقدم على البكاء لأجل هذا المعنى.

والجواب عما ذكروه خامسا: أن ذلك العذاب إنما نزل بسبب أن أولئك الأقوام خالفوا أمر اللّه بالقتل، وأقدموا على الأسر حال ما وجب عليهم الاشتغال بالقتل، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة. واللّه أعلم.

المسألة الرابعة: في شرح الألفاظ المشكلة في هذه الآية.

أما قوله: {ما كان لنبى أن * تكون له * أسرى} فلقائل أن يقول: كيف حسن إدخال لفظة كان على لفظة تكون في هذه الآية.

والجواب: قوله {ما كان} معناه النفي والتنزيه، أي ما يجب وما ينبغي أن يكون له المعنى المذكور ونظيره ما كان للّه أن يتخذ من ولد قال أبو عبيدة. يقول: لم يكن لنبي ذلك، فلا يكون لك،

وأما من قرأ {ما كان للنبى} فمعناه: أن هذا الحكم ما كان ينبغي حصوله لهذا النبي، وهو محمد عليه الصلاة والسلام.

قال الزجاج: {أسرى} جمع، و {أسارى} جمع الجمع.

قال ولا أعلم أحدا قرأ {أسارى} وهي جائزة كما نقلنا عن صاحب "الكشاف": أنه نقل أن بعضهم قرأ به وقوله: {حتى يثخن في الارض} فيه بحثان:

البحث الأول: قال الواحدي: الإثخان في كل شيء عبارة عن قوته وشدته، يقال: قد أثخنه المرض إذا اشتد قوة المرض عليه، وكذلك أثخنه الجراح، والثخانة الغلظة فكل شيء غليظ، فهو ثخين.

فقوله: {حتى يثخن في الارض} معناه حتى يقوى ويشتد ويغلب ويبالغ ويقهر، ثم إن كثيرا من المفسرين.

قالوا المراد منه: أن يبالغ في قتل أعدائه. قالوا وإنما حملنا اللفظ عليه لأن الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتل.

قال الشاعر:

( لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم )

ولأن كثرة القتل توجب قوة الرعب وشدة المهابة، وذلك يمنع من الجراءة، ومن الإقدام على ما لا ينبغي، فلهذا السبب أمر اللّه تعالى بذلك.

البحث الثاني: أن كلمة {حتى} لانتهاء الغاية. فقوله: {ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض} يدل على أن بعد حصول الإثخان في الأرض له أن يقدم على الأسر.

أما قوله: {تريدون عرض الدنيا} فالمراد الفداء، وإنما سمى منافع الدنيا ومتاعها عرضا، لأنه لا ثبات له ولا دوام، فكأنه يعرض ثم يزول، ولذلك سمى المتكلمون الأعراض أعراضا، لأنه لا ثبات لها كثبات الأجسام لأنها تطرأ على الأجسام، وتزول عنها مع كون الأجسام باقية، ثم قال: {واللّه يريد الاخرة} يعني أنه تعالى لا يريد ما يفضي إلى السعادات الدنيوية التي تعرض وتزول وإنما يريد ما يفضي إلى السعادات الأخروية الباقية الدائمة المصونة عن التبديل والزوال.

واحتج الجبائي والقاضي بهذه الآية على فساد قول من يقول: لا كائن من العبد إلا واللّه يريده لأن هذا الأسر وقع منهم على هذا الوجه، ونص اللّه على أنه لا يريده بل يريد منهم ما يؤدي إلى ثواب الآخرة وهو الطاعة دون ما يكون فيه عصيان.

وأجاب أهل السنة عنه بأن قالوا: إنه تعالى ما أراد أن يكون هذا الأسر منهم طاعة، وعملا جائزا مأذونا.

ولا يلزم من نفي إرادة كون هذا الأسر طاعة، نفي كونه مراد الوجود،

وأما الحكماء فإنهم يقولون الشيء مراد بالعرض مكروه بالذات.

ثم قال: {واللّه عزيز حكيم} والمراد أنكم إن طلبتم الآخرة لم يغلبكم عدوكم لأن اللّه عزيز لا يقهر ولا يغلب حكيم في تدبير مصالح العالم.

قال ابن عباس: هذا الحكم إنما كان يوم بدر، لأن المسلمين كانوا قليلين، فلما كثروا وقوي سلطانهم أنزل اللّه بعد ذلك في الأسارى {حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وأما فداء حتى تضع الحرب أوزارها} (محمد: ٤)

وأقول إن هذا الكلام يوهم أن قوله: {فإما منا بعد وأما فداء} يزيد على حكم الآية التي نحن في تفسيرها، وليس الأمر كذلك لأن كلتا الآيتين متوافقتان، فإن كلتاهما يدلان على أنه لا بد من تقديم الإثخان، ثم بعده أخذ الفداء.

ثم قال تعالى: {لولا كتاب من اللّه سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم}.

واعلم أنه كثر أقاويل الناس في تفسير هذا الكتاب السابق.

ونحن نذكرها ونذكر ما فيها من المباحث:

فالقول الأول: وهو قول سعيد بن جبير وقتادة لولا كتاب من اللّه سبق يا محمد بحل الغنائم لك ولأمتك، لمسكم العذاب.

وهو مشكل لأن تحليل الغنائم والفداء هل كان حاصلا في ذلك الوقت، أو ما كان حاصلا في ذلك الوقت؟ فإن كان التحليل والإذن حاصلا في ذلك الوقت امتنع إنزال العذاب عليهم، لأن ما كان مأذونا فيه من قبل لم يحصل العقاب على فعله،

وإن قلنا: إن الإذن ما كان حاصلا في ذلك الوقت كان ذلك الفعل حراما في ذلك الوقت أقصى ما في الباب أنه كان في علم اللّه أنه سيحكم بحله بعد ذلك إلا أن هذا لا يقدح في كونه حراما في ذلك الوقت.

فإن قالوا: إن كونه بحيث سيصير حلالا بعد ذلك يوجب تخفيف العقاب.

قلنا: فإذا كان الأمر كذلك امتنع إنزال العقاب بسببه، وذلك يمنع من التخويف بسبب ذلك العقاب.

القول الثاني: قال محمد بن إسحاق: {لولا كتاب من اللّه سبق} إني لا أعذب إلا بعد النهي لعذبتكم فيما صنعتم، وأنه تعالى ما نهاهم عن أخذ الفداء، وهذا أيضا ضعيف لأنا نقول حاصل هذا القول أنه ما وجد دليل شرعي يوجب حرمة ذلك الفداء، فهل حصل دليل عقلي يقتضي حرمته أم لا؟ فإن قلنا حصل، فيكون اللّه تعالى قد بين تحريمه بواسطة ذلك الدليل العقلي، ولا يمكن أن يقال إنه تعالى لم يبين تلك الحرمة،

وإن قلنا: إنه ليس في العقل ولا في الشرع ما يقتضي المنع، فحينئذ امتنع أن يكون المنع حاصلا، وإلا لكان ذلك تكليف ما لا يطاق، وإذا لم يكن المنع حاصلا كان الإذن حاصلا، وإذا كان الإذن حاصلا، فكيف يمكن ترتيب العقاب على فعله؟

القول الثالث: قال قوم قد سبق حكم اللّه بأنه لا يعذب أحدا ممن شهد بدرا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا أيضا مشكل لأنه يقتضي أن يقال: إنهم ما منعوا عن الكفر والمعاصي والزنا والخمر وما هددوا بترتيب العقاب على هذه القبائح، وذلك يوجب سقوط التكاليف عنهم ولا يقوله عاقل.

وأيضا فلو صار كذلك، فكيف آخذهم اللّه تعالى في ذلك الموضع بعينه في تلك الواقعة بعينها، وكيف وجه عليهم هذا العقاب القوي؟

والقول الرابع: لولا كتاب من اللّه سبق في أن من أتى ذنبا بجهالة، فإنه لا يؤاخذه به لمسهم العذاب، وهذا من جنس ما سبق.

واعلم أن الناس قد أكثروا فيه، والمعتمد في هذا الباب أن نقول:

أما على قولنا: فنقول: يجوز أن يعفو اللّه عن الكبائر.

فقوله: {لولا كتاب من اللّه سبق} معناه لولا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمسهم عذاب عظيم، وهذا هو المراد من قوله: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} (الأنعام: ٥٤) ومن قوله: "سبقت رحمتى غضبي"

وأما على قول المعتزلة فهم لا يجوزون العفو عن الكبائر، فكان معناه {لولا كتاب من اللّه سبق} في أن من احترز عن الكبائر صارت صغائره مغفورة وإلا لمسهم عذاب عظيم، وهذا الحكم وإن كان ثابتا في حق جميع المسلمين، إلا أن طاعات أهل بدر كانت عظيمة وهو قبولهم الإسلام، وانقيادهم لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وإقدامهم على مقاتلة الكفار من غير سلاح وأهبة فلا يبعد أن يقال: إن الثواب الذي استحقوه على هذه الطاعات كان أزيد من العقاب الذي استحقوه على هذا الذنب، فلا جرم صار هذا الذنب مغفورا، ولو قدرنا صدور هذا الذنب من سائر المسلمين لما صار مغفورا، فبسبب هذا القدر من التفاوت حصل لأهل بدر هذا الاختصاص.

﴿ ٦٨