١٤

{قاتلوهم يعذبهم اللّه بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين}.

اعلم أنه تعالى لما قال في الآية

الأولى: {ألا تقاتلون قوما} ذكر عقيبه سبعة أشياء كل واحد منها يوجب إقدامهم على القتال.

ثم إنه تعالى في هذه الآية أعاد الأمر بالقتال وذكر في ذلك القتال خمسة أنواع من الفوائد، كل واحد منها يعظم موقعه إذا انفرد فكيف بها إذا اجتمعت؟

فأولها: قوله: {يعذبهم اللّه بأيديكم}

وفيه مباحث:

البحث الأول: أنه تعالى سمى ذلك عذابا وهو حق فإنه تعالى يعذب الكافرين فإن شاء عجله في الدنيا وإن شاء أخره إلى الآخرة.

البحث الثاني: أن المراد من هذا التعذيب القتل تارة والأسر أخرى واغتنام الأموال ثالثا، فيدخل فيه كل ما ذكرناه.

فإن قالوا: أليس أنه تعالى قال: {وما كان اللّه ليعذبهم وأنت فيهم} (الأنفال: ٣٣) فكيف قال ههنا: {يعذبهم اللّه بأيديكم}.

قلنا: المراد من قوله: {وما كان اللّه ليعذبهم وأنت فيهم} عذاب الاستئصال، والمراد من قوله: {يعذبهم اللّه بأيديكم} عذاب القتل والحرب، والفرق بين البابين أن عذاب الاستئصال قد يتعدى إلى غير المذنب وإن كان في حقه سببا لمزيد الثواب،

أما عذاب القتل فالظاهر أنه يبقى مقصورا على المذنب.

البحث الثالث: احتج أصحابنا على قولهم بأن فعل العبد مخلوق للّه تعالى بقوله: {يعذبهم اللّه بأيديكم} فإن المراد من هذا التعذيب القتل والأسر وظاهر النص يدل على أن ذلك القتل والأسر فعل اللّه تعالى، إلا أنه تعالى يدخله في الوجود على أيدي العباد، وهو صريح قولنا ومذهبنا.

أجاب الجبائي عنه فقال: لو جاز أن يقال إنه تعالى يعذب الكفار بأيدي المؤمنين لجاز أن يقال: إنه يعذب المؤمنين بأيدي الكافرين، ولجاز أن يقال إنه يكذب أنبياءه على ألسنة الكفار ويلعن المؤمنين على ألسنتهم، لأنه تعالى خالق لذلك، فلما لم يجز ذلك عند المجبرة، علم أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد وإنما نسب ما ذكرناه إلى نفسه على سبيل التوسع من حيث إنه حصل بأمره وألطافه، كما يضيف جميع الطاعات إليه بهذا التفسير، وأجاب أصحابنا عنه فقالوا:

أما الذي ألزمتموه علينا فالأمر كذلك إلا أنا لا نقوله باللسان، كما أنا نعلم أنه تعالى هو الخالق لجميع الأجسام.

ثم إنا لا نقول يا خالق الأبوال والعذرات، ويا مكون الخنافس والديدان، فكذا ههنا.

وأيضا أنا توافقنا على أن الزنا واللواط وسائر القبائح إنما حصلت بأقدار اللّه تعالى وتيسيره، ثم لا يجوز أن يقال: يا مسهل الزنا واللواط، ويا دافع الموانع عنها، فكذا هنا،

أما قوله إن المراد إذن الأقدار فنقول هذا صرف للكلام عن ظاهره، وذلك لا يجوز إلا لدليل قاهر، والدليل القاهر من جانبنا ههنا، فإن الفعل لا يصدر إلا عند الداعية الحاصلة، وحصول تلك الداعية ليس إلا من اللّه تعالى.

وثانيها: قوله تعالى: {ويخزهم} معناه: ما ينزل بهم من الذل والهوان حيث شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين ذليلين مهينين.

قال الواحدي: قوله: {ويخزهم} أي بعد قتلكم إياهم، وهذا يدل على أن هذا الإخزاء إنما وقع بهم في الآخرة، وهذا ضعيف لما بينا أن الإخزاء واقع في الدنيا.

وثالثها: قوله تعالى: {وينصركم عليهم} والمعنى أنه لما حصل الخزي لهم بسبب كونهم مقهورين فقد حصل النصر للمسلمين بسبب كونهم قاهرين.

فإن قالوا: لما كان حصول ذلك الخزي مستلزما لحصول هذا النصر، كان إفراده بالذكر عبثا.

فنقول: ليس الأمل كذلك، لأنه من المحتمل أن يحصل الخزي لهم من جهة المؤمنين، إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة بسبب آخر فلما قال: {وينصركم عليهم} دل على أنهم ينتفعون بهذا النصر والفتح والظفر.

ورابعها: قوله: {ويشف صدور قوم مؤمنين} وقد ذكرنا أن خزاعة أسلموا، فأعانت قريش بني بكر عليهم حتى نكلوا بهم، فشفى اللّه صدورهم من بني بكر، ومن المعلوم أن من طال تأذيه من خصمه، ثم مكنه اللّه منه على أحسن الوجوه فإنه يعظم سروره به، ويصير ذلك سببا لقوة النفس، وثبات العزيمة.

﴿ ١٤