٢٦

فذلك قوله: {ثم أنزل اللّه سكينته على رسوله وعلى المؤمنين}.

واعلم أنه تعالى لما بين أن الكثرة لا تنفع، وأن الذي أوجب النصر ما كان إلا من اللّه ذكر أمورا ثلاثة:

أحدها: إنزال السكينة والسكينة ما يسكن إليه القلب والنفس، ويوجب الأمنة والطمأنينة، وأظن وجه الاستعارة فيه أن الإنسان إذا خاف فر وفؤاده متحرك، وإذا أمن سكن وثبت، فلما كان الأمن موجبا للسكون جعل لفظ السكينة كناية عن الأمن.

واعلم أن قوله تعالى: {ثم أنزل اللّه سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} يدل على أن الفعل موقوف على حصول الداعي، ويدل على أن حصول الداعي ليس إلا من قبل اللّه تعالى.

أما بيان الأول: فهو أن حال انهزام القوم لم تحصل داعية السكون والثبات في قلوبهم، فلا جرم لم يحصل السكون والثبات، بل فر القوم وانهزموا.

ولما حصلت السكينة التي هي عبارة عن داعية السكون والثبات رجعوا إلى رسول اللّه عليه الصلاة والسلام، وثبتوا عنده وسكنوا فدل هذا على أن حصول الفعل موقوف على حصول الداعية.

وأما بيان الثاني: وهو أن حصول تلك الداعية من اللّه تعالى فهو صريح.

قوله تعالى: {ثم أنزل اللّه سكينته على رسوله} والعقل أيضا دل عليه، وهو أنه لو كان حصول ذلك الداعي في القلب من جهة العبد، لتوقف على حصول داع آخر ولزم التسلسل، وهو محال.

ثم قال تعالى: {وأنزل جنودا لم تروها} واعلم أن هذا هو الأمر الثاني الذي فعله اللّه في ذلك اليوم، ولا خلاف أن المراد إنزال الملائكة، وليس في الظاهر ما يدل على عدة الملائكة كما هو مذكور في قصة بدر، وقال سعيد بن جبير: أمد اللّه نبيه بخمسة آلاف من الملائكة.

ولعله إنما ذكر هذا العدد قياسا على يوم بدر، وقال سعيد بن المسيب: حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم، فلما انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء، تلقانا رجال بيض الوجوه حسان، فقالوا شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا فركبوا أكتافنا، وأيضا اختلفوا أن الملائكة هل قاتلوا ذلك اليوم؟ والرواية التي نقلناها عن سعيد بن المسيب تدل على أنهم قاتلوا ومنهم من قال إن الملائكة ما قاتلوا إلا يوم بدر.

وأما فائدة نزولهم في هذا اليوم فهو إلقاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين.

ثم قال تعالى: {وعذب الذين كفروا} وهذا هو الأمر الثالث الذي فعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك اليوم، والمراد من هذا التعذيب قتلهم وأسرهم وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم.

واحتج أصحابنا بهذا على أن فعل العبد خلق اللّه، لأن المراد من التعذيب ليس إلا الأخذ والأسر. وهو تعالى نسب تلك الأشياء إلى نفسه وقد بينا أن قوله: {ثم أنزل اللّه سكينته على رسوله} يدل على ذلك فصار مجموع هذين الكلامين دليلا بينا ثابتا، وفي هذه المسألة قالت المعتزلة: إنما نسب تعالى ذلك الفعل إلى نفسه لأنه حصل بأمره، وقد سبق جوابه غير مرة.

ثم قال: {وذالك جزاء الكافرين} والمراد أن ذلك التعذيب هو جزاء الكافرين، واعلم أن أهل الحقيقة تمسكوا في مسألة الجلد مع التعزيز بقوله: {الزانية والزانى فاجلدوا} قالوا الفاء تدل على كون الجلد جزاء، والجزاء اسم للكافي، وكون الجلد كافيا يمنع كون غيره مشروعا معه.

فنقول: في الجواب عنه الجزاء ليس اسما للكافي، وذلك باعتبار أنه تعالى سمى هذا التعذيب جزاء، مع أن المسلمين أجمعوا على أن العقوبة الدائمة في القيامة مدخرة لهم، فدلت هذه الآية على أن الجزاء ليس اسما لما يقع به الكفاية.

﴿ ٢٦