٣٨{ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل اللّه ...}. في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما شرح معايب هؤلاء الكفاء وفضائحهم، عاد إلى الترغيب في مقاتلتهم وقال: {ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل اللّه اثاقلتم إلى الارض} وتقرير الكلام أنه تعالى ذكر في الآيات السابقة أسبابا كثيرة موجبة لقتالهم، وذكر منافع كثيرة تحصل من مقاتلتهم كقوله: {يعذبهم اللّه بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم} (التوبة: ١٤) وذكر أقوالهم المنكرة وأعمالهم القبيحة في الدين والدنيا، وعند هذا لا يبقى للإنسان مانع من قتالهم إلا مجرد أن يخاف القتل ويحب الحياة. فبين تعالى أن هذا المانع خسيس لأن سعادة الدنيا بالنسبة إلى سعادة الآخرة كالقطرة في البحر، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل جهل وسفه. المسألة الثانية: المروي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك، وذلك لأنه عليه السلام لما رجع من الطائف أقام بالمدينة وأمر بجهاد الروم، وكان ذلك الوقت زمان شدة الحر وطابت ثمار المدينة وأينعت، واستعظموا غزو الروم وهابوه، فنزلت هذه الآية. قال المحققون: وإنما استثقل الناس ذلك لوجوه: أحدها: شدة الزمان في الصيف والقحط. وثانيها: بعد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الكثير الزائد على ما جرت به العادة في سائر الغزوات. وثالثها: إدراك الثمار بالمدينة في ذلك الوقت. ورابعها: شدة الحر في ذلك الوقت. وخامسها: مهابة عسكر الروم فهذه الجهات الكثيرة اجتمعت فاقتضت تثاقل الناس عن ذلك الغزو. واللّه أعلم. المسألة الثالثة: يقال: استنفر الإمام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون نفرا ونفورا، إذا حثهم ودعاهم إليه، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : "إذا استنفرتم فانفروا" وأصل النفر الخروج إلى مكان لأمر واجب، واسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير، ومنه قولهم: فلان لا في العير ولا في النفير. وقوله: {اثاقلتم إلى الارض} أصله تثاقلتم، وبه قرأ الأعمش ومعناه: تباطأتم ونظيره قوله: {*ادارأتم} وقوله: {قالوا اطيرنا بك} قال صاحب "الكشاف": وضمن معنى الميل والإخلاد فعدي بالى، والمعنى ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه، ونظيره {أخلد إلى الارض واتبع هواه} (الأعراف: ١٧٦) وقيل معناه ملتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها، وقوله: {مالكم * إذا قيل لكم} (التوبة: ٣٨) وإن كان في الظاهر استفهاما إلا أن المراد منه المبالغة في الإنكار. ثم قال تعالى: {ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل اللّه اثاقلتم} والمعنى كأنه قيل قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال، وقد شرحنا المنافع العظيمة التي تحصل عند القتال، وبينا أنواع فضائحهم وقبائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم، فتركتم جميع هذه الأمور، أليس أن معبودكم يأمركم بمقاتلتهم وتعلمون أن طاعة المعبود توجب الثواب العظيم في الآخرة؟ فهل يليق بالعاقل ترك الثواب العظيم في الآخرة، لأجل المنفعة اليسيرة الحاصلة في الدنيا؟ والدليل على أن متاع الدنيا في الآخرة قليل، إن لذات الدنيا خسيسة في أنفسها ومشوبة بالآفات والبليات ومنقطعة عن قريب لا محالة ومنافعالآخرة شريفة عالية خالصة عن كل الآفات، ودائمة أبدية سرمدية وذلك يوجب القطع بأن متاع الدنيا قليل حقير خسيس. المسألة الرابعة: اعلم أن هذه الآية تدل على وجوب الجهاد في كل حال لأنه تعالى نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر، ولو لم يكن الجهاد واجبا لما كان هذا التثاقل منكرا، وليس لقائل أن يقول الجهاد إنما يجب في الوقت الذي يخاف هجوم الكفار فيه، لأنه عليه السلام ما كان يخاف هجوم الروم عليه، ومع ذلك فقد أوجب الجهاد معهم، ومنافع الجهاد مستقصاة في سورة آل عمران، وأيضا هو واجب على الكفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين. المسألة الخامسة: لقائل أن يقول إن قوله: {ذلك بأن الذين كفروا} خطاب مع كل المؤمنين. ثم قال: {مالكم * إذا قيل لكم انفروا فى سبيل اللّه اثاقلتم إلى الارض} وهذا يدل على أن كل المؤمنين كانوا متثاقلين في ذلك التكليف، وذلك التثاقل معصية، وهذا يدل على إطباق كل الأمة على المعصية وذلك يقدح في أن إجماع الأمة حجة. الجواب: أن خطاب الكل لإرادة البعض مجاز مشهور في القرآن، وفي سائر أنواع الكلام كقوله: ( إياك أعني واسمعي يا جاره) {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا واللّه على كل شىء قدير}. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما رغبهم في الآية الأولى في الجهاد بناء على الترغيب في ثواب الآخرة، رغبهم في هذه الآية في الجهاد بناء على أنواع أخر من الأمور المقوية للدواعي، وهي ثلاثة أنواع: الأول: قوله تعالى: {يعذبكم عذابا أليما}. واعلم أن يحتمل أن يكون المراد منه عذاب الدنيا، وأن يكون المراد منه عذاب الآخرة. وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: استنفر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم القوم فتثاقلوا، فأمسك اللّه عنهم المطر. وقال الحسن: اللّه أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم. وقيل المراد منه عذاب الآخرة إذ الأليم لا يليق إلا به. وقيل إنه تهديد بكل الأقسام، وهي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وقطع منافع الدنيا ومنافع الآخرة. الثاني: قوله: {ويستبدل قوما غيركم} والمراد تنبيههم على أنه تعالى متكفل بنصره على أعدائه، فإن سارعوا معه إلى الخروج حصلت النصرة بهم، وإن تخلفوا وقعت النصرة بغيرهم، وحصل العتبى لهم لئلا يتوهموا أن غلبة أعداء الدين وعز الإسلام لا يحصل إلا بهم، وليس في النص دلالة على أن ذلك المعنى منهم، ونظيره قوله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى اللّه بقوم يحبهم ويحبونه} (المائدة: ٥٤) ثم اختلف المفسرون. فقال ابن عباس: هم التابعون وقال سعيد بن جبير: هم أبناء فارس. وقال أبو روق: هم أهل اليمن، وهذه الوجوه ليست تفسيرا للآية، لأن الآية ليس فيها إشعار بها، بل حمل ذلك الكلام المطلق على صورة معينة شاهدوها. قال الأصم: معناه أن يخرجه من بين أظهركم، وهي المدينة. قال القاضي: هذا ضعيف لأن اللفظ لا دلالة فيه على أنه عليه السلام ينقل من المدينة إلى غيرها، فلا يمتنع أن يظهر اللّه في المدينة أقواما يعينونه على الغزو، ولا يمتنع أن يعينه بأقوام من الملائكة أيضا حال كونه هناك، والثالث: قوله: {ولا تضروه شيئا} والكناية في قول الحسن: راجعة إلى اللّه تعالى، أي لا تضروا اللّه لأنه غني عن العالمين، وفي قول الباقين يعود إلى الرسول، أي لا تضروا الرسول لأن اللّه عصمه من الناس، ولأنه تعالى لا يخذله إن تثاقلتم عنه. ثم قال: {واللّه على كل شيء قدير} وهو تنبيه على شدة الزجر من حيث إنه تعالى قادر لا يجوز عليه العجز، فإذا توعد بالعقاب فعل. المسألة الثانية: قال الحسن وعكرمة: هذه الآية منسوخة بقوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} قال المحققون: إن هذه الآية خطاب لمن استنفرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلم ينفروا، وعلى هذا التقدير فلا نسخ. قال الجبائي: هذه الآية تدل على وعيد أهل الصلاة حيث بين أن المؤمنين إن لم ينفروا يعذبهم عذابا إليما وهو عذاب النار، فإن ترك الجهاد لا يكون إلا من المؤمنين، فبطل بذل قول المرجئة إن أهل الصلاة لا وعيد لهم، وإذا ثبت الوعيد لهم في ترك الجهاد فكذا في غيره، لأنه لا قائل بالفرق، واعلم أن مسألة الوعيد ذكرناها بالاستقصاء في سورة البقرة. المسألة الثالثة: قال القاضي: هذه الآية دالة على وجوب الجهاد، سواء كان مع الرسول أو لا معه، لأنه تعالى قال: {ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا} ولم ينص على أن ذلك القائل هو الرسول. فإن قالوا: يجب أن يكون المراد هو الرسول لقوله تعالى: {ويستبدل قوما غيركم} (التوبة: ٣٩) ولقوله: {ولا تضروه شيئا} (التوبة: ٣٩) إذ لا يمكن أن يكون المراد بذلك إلا الرسول. قلنا: خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها على ما قررنا في أصول الفقه. |
﴿ ٣٨ ﴾