٤٦

ثم قال تعالى: {ولو أرادوا الخروج لاعدوا له عدة} قرىء {*عدته} وقرىء أيضا {إن عدة} بكسر العين بغير إضافة وبإضافة، قال ابن عباس: يريد من الزاد والماء والراحلة، لأن سفرهم بعيد وفي زمان شديد، وتركهم العدة دليل على أنهم أرادوا التخلف.

وقال آخرون: هذا إشارة إلى أنهم كانوا مياسير قادرين على تحصيل إلهبة والعدة.

ثم قال تعالى: {ولاكن كره اللّه انبعاثهم فثبطهم}

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: الانبعاث: الانطلاق في الأمر، يقال بعثت البعير فانبعث وبعثته لأمر كذا فانبعث، وبعثه لأمر كذا أي نفذه فيه، والتثبيط رد الإنسان على الفعل الذي هم به، والمعنى: أنه تعالى كره خروجهم مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم فصرفهم عنه.

فإن قيل: إن خروجهم مع الرسول

أما أن يقال إنه كان مفسدة

وأما أن يقال إنه كان مصلحة.

فإن قلنا: إنه كان مفسدة، فلم عاتب الرسول في إذنه إياهم في القعود؟

وإن قلنا: إنه كان مصلحة، فلم قال إنه تعالى كره انبعاثهم وخروجهم؟

والجواب الصحيح: أن خروجهم مع الرسول ما كان مصلحة، بدليل أنه تعالى صرح بعد هذه الآية وشرح تلك المفاسد وهو قوله: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا} (التوبة: ٤٧) بقي أن يقال فلما كان الأصوب الأصلح أن لا يخرجوا، فلم عاتب الرسول في الإذن؟

فنقول: قد حكينا عن أبي مسلم أنه قال: ليس في قوله {لم أذنت لهم} أنه عليه الصلاة والسلام كان قد أذن لهم في القعود، بل يحتمل أن يقال إنهم استأذنوه في الخروج معه فأذن لهم، وعلى هذا التقدير فإنه يسقط السؤال، قال أبو مسلم والدليل على صحة ما قلنا إن هذه الآية دلت على أن خروجهم معه كان مفسدة، فوجب حمل ذلك العتاب على أنه عليه الصلاة والسلام أذن لهم في الخروج معه، وتأكد ذلك بسائر الآيات منها قوله تعالى: {فإن رجعك اللّه إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معى أبدا} (التوبة: ٨٣) ومنها قوله تعالى: {سيقول المخلفون إذا انطلقتم} (الفتح: ١٥) إلى قوله: {قل لن تتبعونا} فهذا دفع هذا السؤال على طريقة أبي مسلم.

والوجه الثاني: من الجواب أن نسلم أن العتاب في قوله: {لم أذنت لهم} إنما توجه لأنه عليه الصلاة والسلام أذن لهم في القعود، فنقول: ذلك العتاب ما كان لأجل أن ذلك القعود كان مفسدة، بل لأجل أن إذنه عليه الصلاة والسلام بذلك القعود كان مفسدة وبيانه من وجوه:

الأول: أنه عليه الصلاة والسلام أذن قبل إتمام التفحص وإكمال التأمل والتدبر، ولهذا السبب قال تعالى: {لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين}

والثاني: أن بتقدير أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يأذن لهم في القعود؛ فهم كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم، وكان يصير ذلك القعود علامة على نفاقهم، وإذا ظهر نفاقهم احترز المسلمون منهم ولم يغتروا بقولهم، فلما أذن الرسول في القعود بقي نفاقهم مخفيا وفاتت تلك المصالح.

والثالث: أنهم لما استأذنوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غضب عليهم وقال: {اقعدوا مع القاعدين} على سبيل الزجر كما حكاه اللّه في آخر هذه الآية وهو قوله: {وقيل اقعدوا مع القاعدين} ثم إنهم اغتنموا هذه اللفظة وقالوا: قد أذن لنا فقال تعالى: {لم أذنت لهم} أي لم ذكرت عندهم هذا اللفظ الذي أمكنهم أن يتوسلوا به إلى تحصيل غرضهم؟

الرابع: أن الذين يقولون الاجتهاد غير جائز على الأنبياء عليهم السلام قالوا: إنه إنما أذن بمقتضى الاجتهاد، وذلك غير جائز، لأنهم لما تمكنوا من الوحي وكان الإقدام على الاجتهاد مع التمكن من الوحي جاريا مجرى الإقدام على الاجتهاد مع حصول النص، فكما أن هذا غير جائز فكذا ذاك.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة البصرية: الآية دالة على أنه تعالى كما هو موصوف بصفة المريدية هو موصوف بصفة الكارهية، بدليل قوله تعالى: {ولاكن كره اللّه انبعاثهم} قال أصحابنا: معنى {كره اللّه} أراد عدم ذلك الشيء.

قال البصرية: العدم لا يصلح أن يكون متعلقا، وذلك لأن الإرادة عبارة عن صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر، والعدم نفي محض، وأيضا فالعدم المستمر لا تعلق للإرادة بالعدم به، لأن تحصيل الحاصل محال، وجعل العدم عدما محال، فثبت أن تعلق الإرادة بالعدم محال، فامتنع القول بأن المراد من الكراهة إرادة العدم.

أجاب أصحابنا: بأنا نفسر الكراهة في حق اللّه بإرادة ضد ذلك الشيء، فهو تعالى أراد منهم السكون، فوقع التعبير عن هذه الإرادة بكونه تعالى كارها لخروجهم مع الرسول.

المسألة الثالثة: احتج أصحابنا في مسألة القضاء والقدر بقوله تعالى: {فثبطهم} أي فكسلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث، وحاصل الكلام فيه لا يتم إلا إذا صرحنا بالحق، وهو أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي إليه، فإذا صارت الداعية فاترة مرجوحة امتنع صدور الفعل عنه، ثم إن صيرورة تلك الداعية جازمة أو فاترة، إن كانت من العبد لزم التسلسل، وإن كانت من اللّه؛ فحينئذ لزم المقصود.

لأن تقوية الداعية ليست إلا من اللّه، ومتى حصلت تلك التقوية لزم حصول الفعل، وحينئذ يصح قولنا في مسألة القضاء والقدر.

ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {وقيل اقعدوا مع القاعدين}

وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: المقصود منه التنبيه على ذمهم وإلحاقهم بالنساء والصبيان والعاجزين الذين شأنهم القعود في البيوت وهم القاعدون والخالفون والخوالف على ما ذكره في قوله: {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف}.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن هذا القول ممن كان؟ فيحتمل أن يكون القائل بذلك هو الشيطان على سبيل الوسوسة، ويحتمل أن يكون بعضهم قال ذلك لبعض لما أرادوا الاجتماع على التخلف، لأن من يتولى الفساد يحب التكثر بأشكاله، ويحتمل أن يكون القائل هو الرسول صلى اللّه عليه وسلم لما أذن لهم في التخلف فعاتبه اللّه، ويحتمل أن يكون القائل هو اللّه سبحانه لأنه قد كره خروجهم للإفساد، وكان المراد إذا كنتم مفسدين فقد كره اللّه انبعاثكم على هذا الوجه فأمركم بالقعود عن هذا الخروج المخصوص.

﴿ ٤٦