٤٨{لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جآء الحق...}. اعلم أن المذكور في هذه الآية نوع آخر من مكر المنافقين وخبث باطنه فقال: {لقد ابتغوا الفتنة من قبل} أي من قبل واقعة تبوك. قال ابن جريج: هو أن اثني عشر رجلا من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقيل المراد ما فعله عبد اللّه بن أبي يوم أحد حين انصرف عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مع أصحابه، وقيل: طلبوا صد أصحابك عن الدين وردهم إلى الكفر وتخذيل الناس عنك، ومعنى الفتنة هو الاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة، وهو الذي طلبه المنافقون للمسلمين وسلمهم اللّه منه، وقوله: {وقلبوا لك الامور} تقليب الأمر تصريفه وترديده لأجل التدبر والتأمل فيه، يعني اجتهدوا في الحيلة عليك والكيد بك. يقال: في الرجل المتصرف في وجوه الحيل فلان حول قلب، أي يتقلب في وجوه الحيل. ثم قال تعالى: {حتى جاء الحق وظهر أمر اللّه وهم كارهون} والمعنى: أن هؤلاء المنافقين كانوا مواظبين على وجه الكيد والمكر وإثارة الفتنة وتنفير الناس عن قبول الدين حتى جاء الحق الذي كان في حكم المذاهب، والمراد منه القرآن ودعوة محمد، وظهر أمر اللّه الذي كان كالمستور والمراد بأمر اللّه الأسباب التي أظهرها اللّه تعالى وجعلها مؤثرة في قوة شرع محمد عليه الصلاة والسلام، وهم لها كارهون أي وهم لمجيء هذا الحق وظهور أمر اللّه كارهون، وفيه تنبيه على أنه لا أثر لمكرهم وكيدهم ومبالغتهم في إثارة الشر، فإنهم منذ كانوا في طلب هذا المكر والكيد، واللّه تعالى رده في نحرهم وقلب مرادهم وأتى بضد مقصودهم، فلما كان الأمر كذلك في الماضي، فهذا يكون في المستقبل. |
﴿ ٤٨ ﴾