٤٩ثم قال تعالى: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنى} يريد ائذن لي في القعود ولاتفتني بسبب الأمر بالخروج، وذكروا فيه وجوها: الأول: لا تفتني أي لا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي، فإنك إن منعتني من القعود وقعدت بغير إذنك وقعت في الإثم، وعلى هذا التقدير فيحتمل أن يكونوا ذكروه على سبيل السخرية، وإن يكونوا أيضا ذكروه على سبيل الجد، وإن كان ذلك المنافق منافقا كان يغلب على ظنه كون محمد عليه السلام صادقا، وإن كان غير قاطع بذلك. والثاني: لا تفتني أي لا تلقني في الهلاك فإن الزمان زمان شدة الحر ولا طاقة لي بها. والثالث: لا تفتني فإني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي. والرابع: قال الجد بن قيس: قد علمت الأنصار أني مغرم بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر، يعني نساء الروم، ولكني أعينك بمال فاتركني، وقرىء {ولا تفتنى} من أفتنة {ألا فى الفتنة سقطوا} والمعنى أنهم يحترزون عن الوقوع في الفتنة، وهم في الحال ما وقعوا إلا في الفتنة، فإن أعظم أنواع الفتنة الكفر باللّه ورسوله، والتمرد عن قبول التكليف. وأيضا فهم يبقون خالفين عن المسلمين، خائفين من أن يفضحهم اللّه، وينزل آيات في شرح نفاقهم وفي مصحف أبي {سقط} لأن لفظ من موحد اللفظ مجموع المعنى. قال أهل المعاني: وفيه تنبيه على أن من عصى اللّه لغرض ما، فإنه تعالى يبطل عليه ذلك الغرض، ألا ترى أن القوم إنما اختاروا القعود لئلا يقعوا في الفتنة، فاللّه تعالى بين أنهم في عين الفتنة واقعون ساقطون. ثم قال تعالى: {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} قيل: إنها تحيط بهم يوم القيامة. وقيل إن أسباب تلك الإحاطة حاصلة في الحال، فكأنهم في وسطها. وقال الحكماء الإسلامية: إنهم كانوا محرومين من نور معرفة اللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما كانوا يعتقدون لأنفسهم كمالا وسعادة سوى الدنيا وما فيها من المال والجاه، ثم إنهم اشتهروا بين الناس بالنفاق والطعن في الدين. وقصد الرسول بكل سوء، وكانوا يشاهدون أن دولة الإسلام أبدا في الترقي والاستعلاء والتزايد، وكانوا في أشد الخوف على أنفسهم، وأولادهم وأموالهم والحاصل أنهم كانوا محرومين عن كل السعادات الروحانية، فكانوا في أشد الخوف، بسبب الأحوال العاجلة، والخوف الشديد مع الجهل الشديد، أعظم أنواع العقوبات الروحانية، فعبر اللّه تعالى عن تلك الأحوال بقوله: {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين}. |
﴿ ٤٩ ﴾