٥٩

ثم قال: {ولو أنهم رضوا} الآية والمعنى: ولو أنهم رضوا بما أعطاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الغنيمة وطابت نفوسهم وإن قل، وقالوا: كفانا ذلك وسيرزقنا اللّه غنيمة أخرى، فيعطينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أكثر مما أعطانا اليوم، إنا إلى طاعة اللّه وإفضاله وإحسانه لراغبون.

واعلم أن جواب "لو" محذوف، والتقدير: لكان خيرا لهم وأعود عليهم، وذلك لأنه غلب عليهم النفاق ولم يحضر الإيمان في قلوبهم، فيتوكلوا على اللّه حق توكله، وترك الجواب في هذا المعرض أدل على التعظيم والتهويل، وهو كقولك للرجل: لو جئتنا، ثم لا تذكر الجواب، أي لو فعلت ذلك لرأيت أمرا عظيما.

المسألة الثانية: الآية تدل على أن من طلب الدنيا آل أمره في الدين إلى النفاق.

وأما من طلب الدنيا بقدر ما أذن اللّه فيه، وكان غرضه من الدنيا أن يتوسل إلى مصالح الدين فهذا هو الطريق الحق، والأصل في هذا الباب أن يكون راضيا بقضاء اللّه، ألا ترى أنه قال: {ولو أنهم رضوا ما ءاتاهم اللّه ورسوله وقالوا حسبنا اللّه سيؤتينا اللّه من فضله ورسوله إنا إلى اللّه راغبون}

فذكر فيه مراتب أربعة:

المرتبة الأولى: الرضا بما آتاهم اللّه ورسوله لعلمه بأنه تعالى حكيم منزه عن العبث والخطأ، وحكيم بمعنى أنه عليم بعواقب الأمور، وكل ما كان حكما له وقضاء كان حقا وصوابا ولااعتراض عليه.

والمرتبة الثانية: أن يظهر آثار ذلك الرضا على لسانهم، وهو قوله: {وقالوا حسبنا اللّه} يعني أن غيرنا أخذوا المال ونحن لما رضينا بحكم اللّه وقضائه فقد فزنا بهذه المرتبة العظيمة في العبودية، فحسبنا اللّه.

والمرتبة الثالثة: وهي أن الإنسان إذا لم يبلغ إلى تلك الدرجة العالية التي عندها يقول: {حسبنا اللّه} نزل منها إلى مرتبة أخرى وهي أن يقول: {سيؤتينا اللّه من فضله ورسوله}

أما في الدنيا إن اقتضاه التقدير،

وأما في الآخرة وهي أولى وأفضل.

والمرتبة الرابعة: أن يقول: {إنا إلى اللّه راغبون} فنحن لا نطلب من الإيمان والطاعة أخذ الأموال والفوز بالمناصب في الدنيا، وإنما المراد

أما اكتساب سعادات الآخرة.

وأما الاستغراق في العبودية على ما دل لفظ الآية عليه فإنه قال: {إنا إلى اللّه راغبون} ولم يقل: إنا إلى ثواب اللّه راغبون.

ونقل أن عيسى عليه السلام مر بقوم يذكرون اللّه تعالى فقال: ما الذي يحملكم عليه؟ قالوا: الخوف من عقاب اللّه، فقال: أصبتم ثم مر على قوم آخرين يذكرون اللّه، فقال: ما الذي يحملكم عليه، فقالوا: الرغبة في الثواب فقال: أصبتم، ثم مر على قوم قالق مشتغلين بالذكر فسألهم فقالوا: لا نذكره للخوف من العقاب، ولا للرغبة في الثواب، بل لإظهار ذلة العبودية، وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته، وتشريف اللسان بالألفاظ الدالة على صفات قدسه وعزته. فقال: أنتم المحقون المحققون.

﴿ ٥٩